كي لا تتكرر المأساة...!!! ملاحظات عن التربية والنعليم في العراق 1-3
د. حسن السوداني

يكاد ينفرد التعليم في العراق بخصوصية يقل وجودها بين الدول العربية والإسلامية والكثير من بلدان العالم الأخرى, ذلك أنه يمتلك أول جامعة أكاديمية( المستنصرية 1233م) بالمعنى الحرفي للكلمة فقد كانت عبارة عن مجمع من الأبنية التعليمية تتوفر لها ما يتوفر للجامعات الحديثة من مستلزمات تقنية ومادية وبشرية تتفوق في نواحي كثيرة عن العديد من الجامعات المعاصرة التي شاهدتها أثناء تجربتي في التدريس في بعض البلدان العربية, وربما يدهش المرء وهو يرى تقاليد التدريس في هذه الجامعة التي ألزمت أساتذتها وطلابها على( ارتداء لباس خاص يتكون من ست قطع أهمها القلنسوة والطيلسان والعمامة, لينقلها عنهم بعد دهور مصممو أزياء رجال العلم في الجامعات الأوربية)(1) فضلا عن التخصصات التي تدرسها والشهادات التي تمنحها وتنظيمها الإداري المتقن ومكتبتها الحاوية على أكثر من 80 ألف كتاب في بداية افتتاحها, ولو قدر لهذه الجامعة الاستمرار لكان العراق ينفرد بتاريخ حافل من المنجزات التربوية والعلمية. وإذا كنت أنظر بعين الأسى لمصير هذا الصرح العلمي العتيد وقد أصبح أثر بعد عين فأن أساي لم ينقطع لما وصل أليه مصير التعليم في العراق خلال السنوات الأخيرة وأنا أرى طلاب المدارس الابتدائية يلتحفون الأرض وهم حفاة تعلوا وجوههم صفرة الجوع والمرض في مشهد لم نرى له مثيلا حتى في الدول المنكوبة أو المدقعة في الفقر, أنهم جيل "الثورة العظيمة"! الذين يفترشون ساحات بغداد العامة بملابسهم الرثة مزاحمين معلميهم تحت لهيب شمسها الحارة يبيعون السجائر والحلوى ويستنشقون أبخرة باصات النقل القديمة تطحنهم حسرة الرجوع إلى البيت بخفي حنين. وأرى أساتذة الجامعات وهم يتزاحمون على كسوة الصيف والشتاء من الملابس التي سوف يبيعونها ليشتروا لأطفالهم ما عجز عنه الراتب الشهري الهزيل أو ليلبسوها في المحافل العلمية مستغرقين بضحك مرير على زيهم الموحد من البدل الرخيصة, وأتألم كثيرا عندما أتذكر كيف غطى موظفو كلية الفنون بعض التماثيل الرومانية المنصوبة في حديقة الكلية عندما علموا بوصول أحد وزراء التعليم العالي والبحث العلمي في العهد المباد ( سمير الشيخلي) لأنه لا يقبل بمشاهدتها عارية!! ولكي نفهم هذه الصورة السوريالية التي جمعت في إطارها المعلم والطالب على حد سواء لابد من الوقوف على سياسة التعليم في العراق وتحولاتها المريعة في السنوات الأخيرة معززين دراستنا ببعض المشاهدات الحية لمجريات التعليم في العقد الأخير من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة.

ولعل من بين الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها هذه الدراسة الكشف عن:
1/ واقع التربية في العراق في المرحلتين الابتدائية والثانوية في العهد المباد.
2/ واقع التعليم العالي في العراق في مرحلتي التعليم الجامعي والدراسات العليا في العهد المباد.
3/ الدور الذي يمكن أن تلعبه التربية والتعليم العالي في المجتمع المدني العراقي اليوم بعد زوال نظام البعث المباد.
4/ اقتراح بعض المعالجات المناسبة لحل المشكلات التي تواجه التربية والتعليم في عراق اليوم.

لمحة تاريخية:
تعد كلية الحقوق في العراق أقدم الكليات قاطبة حيث تأسست في عام 1908 أبان الاحتلال العثماني والذي عرف عنه قسوته وطول فترته وممانعته الكبيرة من توسيع دائرة العلم والمعرفة وبالذات تحريمه طباعة الكتب لأكثر من ثلاثمائة عام مما حرم العالمين العربي والإسلامي ـ الجزء الواقع في دائرة الاحتلال العثماني ـ من التطور العلمي والثقافي على مدى ثلاثة قرون, وبعد دخول الإنكليز بغداد عام 1917لم يكن هناك سوى أربعة مدارس فقط. وقد اعتمدت الدراسة عموما على( نظام الكتاتيب كما هو الحال في بداية العصر العباسي, وحتى ما بعد تأسيس الدولة العراقية لم يبلغ عدد طلاب الكليات الحكومية إلا (99) طالبا في العام 1921ـ 1922 الذي ازداد إلــــــى (1218) طالبا في العام 1940ـ1941 وإلى( 8565) في العام 1958ـ 1959 وارتفع عدد طلاب المدارس الحكومية من (229 إلى 13969) ثم إلى (73911) في السنوات نفسها) (2) وبعد كلية الحقوق تأسست دار المعلمين العالية عام 1923 ثم كلية الطب عام1927 وكلية الصيدلة عام 1936ثم تلتها كلية الهندسة عام 1942 وكلية الشريعة والبنات عام 1946 وكلية التجارة عام 1947 وكلية الآداب والعلوم عام 1949 وكلية الزراعة 1952 وصدر قانون جامعة بغداد عام 1956 حيث توحدت الكليات في إدارة واحدة(3).وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 بدأت جامعة بغداد فعليا بعد أن أختار زعيمها عبد الكريم قاسم عالم الفيزياء عبد الجبار عبد الله من بين ثلاث مرشحين أحدهم الدكتور الجليل عبد العزيز الدوري(4) ثم تأسست جامعتي الموصل والبصرة في عام 1967 ثم جامعة صلاح الدين في أربيل وبعدها الجامعة التكنولوجية في بغداد عام 1974. ثم أخذت الجامعات بالازدياد المضطرد في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وفسح المجال لفتح الجامعات الأهلية بعد صدور القرار المرقم 814 في 14/10/1987 وبلغ عددها 9 كليات العام الدراسي 98/99 منها 5 كليات في بغداد و4 في المحافظات, وهي: (كلية التراث الجامعة, المأمون الجامعة, كلية العلوم الاقتصادية, كلية الرافدين, كلية المنصور الجامعة, كلية الحدباء في نينوى, كلية المعارف في محافظة الأنبار, كلية شط العرب في البصرة وكلية اليرموك في محافظة ديالى)(5) والتي تدرس مجموعة من التخصصات العلمية والتقنية التي يتطلبها السوق التجاري العراقي وفرصة لا تعوض أمام العوائل محدثة الثراء لقبول أبنائها من ذوي المعدلات المتدنية مقابل أجور دراسية كبيرة تتراوح بين(40 ـ 100) ألف دينار كرسوم. ثم انفتح الباب على مصراعيه في نهاية التسعينيات بعد أن تجاوز عدد الجامعات الأهلية العشرين شملت التخصصات كافة كما عملت جميع الجامعات العراقية وكلياتها على فتح القبول للدراسة المسائية وبأجور دراسية بدأت بسيطة وانتهت باهظة جدا لكي تستطيع هذه الجامعات من تسيير عملها وشراء المستلزمات الضرورية لدوامها واستمرارها بعد أن رفعت الحكومة يدها عن دعم التعليم بحجة الحصار.

التعليم الابتدائي والثانوي :
تشير إحصائية نقابة المعلمين العراقيين في نهاية عام 1997 إلى ترك آلاف المعلمين عملهم في المدارس الابتدائية والثانوية بسبب الوضع الاقتصادي المتردي لهؤلاء المعلمين(6) ولسد الفراغ المريع الذي خلفوه ورائهم بادرت كليات التربية وتحت باب تحدي الحصار الغاشم بفتح دورات سريعة أمدها ثلاثة أشهر لخريجي المدارس المهنية والعاطلين عن العمل من خريجي المدارس الثانوية وبمبالغ بسيطة لتخرجهم بعد ذلك معلمين للنشء الجديد وليتصور القارئ ماهية تعليم هذا النشئ الذي تعده الدولة لهزيمة أمريكا علميا وتقنيا!! ويبدو أن التعليم السريع جاء مسايرا المشاريع العملاقة السريعة التي تنفذ بغضون أيام معدودات بغض النظر عن المواصفات العلمية والفنية التي يتطلبها تنفيذ المشاريع فليس المهم متانة المشروع وديمومته بل الفترة الزمنية السريعة التي ينفذ بها وخير مثال على ذلك مشروع "وفاء القائد" الذي نفذته دائرة المشاريع الهندسية في وزارة الري بمعاونة بعض مقاولي السلطة ويهدف إلى إيصال مياه الشرب العذبة إلى مدينة البصرة بعد أن عانى أهلها الأمرين من مياه الشرب النادرة في هذه المدينة التي يلتقي فيها نهري دجلة والفرات!! وبعد تنفيذ المشروع أطلق عليه الأهالي هناك مشروع" وفاة القائد" لأنه لم يستطع أن يوصل لهم غير المياه الراكدة في مشروع النهر الثالث المعطل هو الآخر. وهذا الأمر قد تكرر في أغلب المشاريع التي تنفذها الحكومة على شكل مكارم يهبها القائد لهذه المدينة أو تلك وليس للضرورة القصوى لهذه المدن لتلك . وقد أدى النقص الحاصل بعدد المعلمين إلى شيوع ظاهرة النجاح المدفوع الثمن فقد أستغل الكثير من مديري المدارس هذا النقص وقاموا بالتلاعب بقوائم النجاح للطلاب وتحت شعار أدفع تنجح والصحافة العراقية زاخرة بالكشف عن هذه الحالات كما انتشرت ظاهرة التدريس الخصوصي بين الأهالي سواء في التدريس الابتدائي أو الإعدادي وهي حالة جديدة تماما على المجتمع العراقي المعروف برصانة أساليبه التربوية والعلمية ولم يكن يعرفها إلا عن طريق بعض الأفلام العربية كما أشرت الدراسات التي ظهرت من داخل العراق ظاهرة التسرب في المدارس الإعدادية والابتدائية وترك آلاف الطلبة مدارسهم للبحث عن عمل أو تناول الكحول أو المخدرات أو السرقة أو العمل في مهن لا تناسب أعمارهم وتؤدي إلى انحرافات سلوكية مبكرة تصل في أحيان كثيرة إلى القتل كما أشار إلى ذلك البحث الموسوم( اتجاهات الجريمة لدى الطلبة والشباب في زمن الحصار) للواء الشرطة أكرم المشهداني(7) أو حسب تصريح وزير التربية السابق فهد الشكرة الذي نص على( أن عدد الطلبة المتسربين بلغ 97738 للعام الدراسي 98ـ90 من بينهم 35 ألف حالة تسرب في المرحلة الابتدائية, ارتفع الرقم إلى 150 ألف حالة تسرب في عام 1995 من بينهم 90 ألف حالة تسرب في المرحلة الابتدائية)(8) أو الحوادث التي تنشرها الصحافة في الداخل أو التي يبثها التلفزيون ظهيرة كل يوم جمعة. ويمكن تأشير عددا من الملاحظات عن واقع التعليم الابتدائي والثانوي في العراق بالنقاط التالية:

1/ افتقار المدارس الابتدائية(على وجه الخصوص) إلى أبسط مقومات الدراسة من مقاعد وسبورات ووسائل تعليمية ومستلزمات التربية الفنية والبدنية المناسبة ويفترش طلبة المدارس الابتدائية في الكثير من مناطق بغداد الشعبية وبقية المحافظات الأرض داخل الصفوف الدراسية, باستثناء بعض الطلبة من أبناء الأثرياء الذين يدفعون ثمن شراء مقعد مناسب لأولادهم.
2/ إدخال مفهوم( عسكرة التعليم) وإجبار الأطفال على ارتداء الزي العسكري واستخدام الأسلحة النارية في رفعة العلم صباح كل يوم أو في أيام الخميس بشكل حتمي وإلزامهم بترديد بعض العبارات قبل بداية أي حصة تعليمية مثل( قيام/ يعيش القائد صدام..... جلوس/ يسقط الفرس المجوس) وغيرها من العبارات التي تتغير وفقا لمتطلبات الموقف والحروب, وهي مفردات غريبة عن قاموس الأطفال البريء في محاولة لتشويهه.
3/ إجبار المواطنين من دفع أجور تعليم أبنائها بمبالغ عالية فضلا عن إلزامهم بدفع مساعدات إلى المدارس بحجج مختلفة كالتنظيف والترميم وشراء الستائر والاحتفال بعيد ميلاد الطاغية الخ.
4/ إجبار الطلبة على دفع أثمان القرطاسية التي توزع عليهم وحسب التقسيمات التالية: خمسة دفاتر للصف الأول الابتدائي بمبلغ 146 دينار وللصفين الثالث والرابع 6 دفاتر بمبلغ 179 دينارا والصف الرابع 7 دفاتر بمبلغ 222 دينارا وللصف الخامس13 دفترا بمبلغ 415 دينارا وللسادس 12 دفترا بمبلغ 382 دينارا, ثم يستمر التقسيم للصفوف في المرحلة المتوسطة والإعدادية والجامعية ولكل مرحلة سعر قرطاسية خاص(9) علما أن هذه الأسعار تتبدل وتزداد سنويا .

الهوامش:
1/ د. جاسم الدباغ, مجلة تموز, الجمعية الثقافية العراقية في مالمو, السويد, العدد 17,ص39 ,لسنة 2001.
2/ حنا بطاطو, العراق,ص52.
3/ د. جاسم الدباغ, المصدر السابق, ص43.
4/ رشيد الخيون, تجاوز المألوف وأجاب على سؤال( ما فائدة ما فات) جريدة المؤتمر, ص10 العدد296, 16 آذار 2002.
5/ سامر سعيد, أحوال التعليم الجامعي بعد عشر سنوات على حرب الخليج, الثقافة الجديدة، العدد296, أيلول/ تشرين أول 2000, ص34.
6/ تقرير محدود التداول لنقابة المعلمين العراقيين, المركز العام, لسنة 1997.
7/ اللواء أكرم المشهداني,اتجاهات الجريمة لدى الطلبة والشباب في سنوات الحصار, وقائع الندوة العلمية الثانية لمكتب الاستشارات النفسية والاجتماعية للطلبة والشباب بتاريخ 18 و19 شباط 1997.
8/ سامر سعيد, ظاهرة التسرب الدراسي, الثقافة الجديدة, العدد 307ـ308,خريف 2002, ص104.
9/ القرطاسية وسر تفاوت أسعارها في المدارس, لقاء مع مدير الشؤون المالية والإدارية في وزارة التربية, جريدة القادسية, العدد6004, 2/11/ 1996,الصفحة الأخيرة.