الإخراج والسيناريو ... الدكتور عبدالباسط سلمان

الإخراج والسيناريو الدكتور عبدالباسط سلمان 2004 – 2005

بسم الله الرحمن الرحيم
فوجدا عبدا مّن عبادنا ءاتينه رحمة مّن عندنا وعلّمناه من لّدنّا علما * قال له موسى هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدا * قال انّك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * صدق الله العظيم - سورة الكهف
65،66،67،68

الاخراج والسيناريو يلاحظ ان كلمة الإخراج او السيناريو كثيرا ما تقترن بالعروض والاعمال المسرحية او السينمائية او التلفزيونية والإذاعية ، بينما نجد في حياتنا اليومية استخدام لهاتين المفردتين بقصد او دون قصد وفي مجال اوسع وابلغ مما في التلفزيون او السينما او المسرح ، فهاتين المفردتين متواجدة بالعديد من الأعمال او الافعال بالحياة رغم غيابها عن الألفاظ ، حيث هناك على سبيل المثال العديد من الأشخاص يعملون بإعمال بعيدة عن التلفزيون أو السينما أو المسرح ويؤدون دور المخرج أو السينارست بشكل مقارن أو مشابه من دون قصد لعمل مسرحي أو سينمائي ، فهم ينظمون عملهم بشكل استعراضي دقيق وبتوقيت مدروس . ان هاتين المفردتين يمكن ان تطلق على الكثير من الاعمال التي تحتاج الى تنظيم دقيق وتحتاج الى توقيت وعرض أو تأثير وإبهار بالمقابل ،فالتأثير بالمقابل هو من أهم الأمور التي يبحث عنها الإنسان في تحقيق أهدافه ، والسينما واحدة من أكثر الوسائل المؤثرة بالمجتمعات بحكم إنها تكسب شعبية هائلة وان لها مردودات عديدة ، أهمها المعنوية والفكرية ، وقد كان المخرج العظيم سيرجي ايزنشتاين قد عبر عن ذلك حين قال (ان السينما تستطيع بما لها من حرفيات تتحسن يوم بعد يوم ، وبما تحققه من أعمال في تزايد مستمر ، ان تقيم صلة عالمية مباشرة من الفكر الخلاق ، فقد تم انجاز الكثير الذي يعتبر ممتازا بحق ، ويحتل المكان الأول ، فيما يختص بأقصى ما يذهب إليه المضمون ، التيار المندفع للأفكار الاجتماعية الجديدة والمثل الاشتراكية الحديثة ) ، أي ان السينما لها وقع مدهش بالمجتمعات ، والسينما يقودها بالواقع العمل الإخراجي ، فهو الذي يجد الأسباب للعرض السينمائي بمعنى ان العرض ينتفي مع انتفاء العمل الإخراجي ، إذن العملية الإخراجية تبرز مع الاعمال التي غالبا ما تتعرض للمشاهدة كعرض الأزياء أو الصحف والمجلات أو العروض الموسيقية أو الاحتفالات والمهرجانات أو الخ ، وهذه الاعمال غالبا ما يسيطر عليها ويقودها شخص يطلق عليه مخرج أو السينارست ، في الحقيقة ان هذان الشخصان يعدان من الأشخاص الذين يتميزون بصفات نادرة ومهمة كونهما ينفردان في اغلب الأحيان بصفات نادرة كالموهبة والتخطيط والوعي والذكاء والقيادة والتنظيم والسيطرة على كل مرافق العمل أو العرض ووو....الخ. يكون عمل الخارج متخالط مع عمل السيناريو بحكم ان الرؤيا تنبع في العملين أي ان للمخرج رؤيا وللسينارست رؤيا في طرح قضية ما ، لذا فان العمل الإخراجي مقترن بالسيناريو والسيناريو أيضا مقترن بإخراج ، فالسيناريو لايرى النور ما لم تكون هنالك عملية إخراجية تحول كلمات النص الى صور ، وكذلك العمل الخارجي لا يمكن ان يكون مالم تكون هناك نصوص (سيناريو) يستند عليها المخرج لخلق الصور في الفيلم ، إذن هناك ترابط مابين السيناريو والإخراج ، وهنا سنبدأ أولا بمفردة الإخراج كي نفهم مانريد الوصول له رغم ان السيناريو يسبق الإخراج كون ان الإخراج هو عملية تحويل السيناريو الى عرض ،إلا إننا نرى ان الإخراج يسبق السيناريو بحكم ان السينارست إنما هو مخرج ولكن من نوع آخر ، أي انه مخرج لرؤيا كما هو الحال مع المخرج، إلا انه يخرج من خلال كتابة النص بان يصوغ الأحداث وينظمها وفق رؤيا شاملة أو عامة ، بينما المخرج يخرج العمل تنفيذا وبصورة دقيقة وخاصة أي ليس شاملة أو عامة كما مع السينارست بل هو يخرج وضمن أجزاء صغيرة جدا في اللقطات أو المشاهد ، سنبدأ بالمخرج وبشكل تفصيلي كي ندرك عمل السينارست بسهولة فيما بعد . ان مفردة إخراج تحتمل العديد من التؤيلات والتفسيرات كونها تشمل العديد من المرافق والمجالات وخصوصا في العصر الحالي ، حيث استخدمت هذه المفردة بوفرة مع العديد من المجالات وخصوصا السياسية التي اتسمت كثيرا بنوع من التخطيط والتنظيم والتنسيق المبرمج للأمد الطويل ، فالسياسيين المتمرسين نراهم يخططون وينفذون الخطط والأفكار بطرق تعتمد على العديد من الحيل والمفاجئات والمباغتة بل وحتى المراوغة في بعض الأحيان لتحقيق كم من الأهداف التي لا يمكن ان تتحقق بالنتائج المرجوة مالم تكون هناك خطط تتعمد العديد من المؤثرات والتنويهات أو الكتمان أو المفاجئات أو الحيل والبدع السياسية ، والتي غالبا ما تأتي بنتائج متميزة من حيث النوعية والتطبيق ، أي أنها تحقق الأهداف بشكل عجيب ومؤثر وهو ما يحقق الأهداف المنشودة ، ليعم التغيير الذي ينشده السياسي – المخرج من وراء كل الأفعال والتصرفات والنفقات والتوجهات وما الى ذلك ، أنها عملية أشبه ما تكون سحرا ، فهي تجني المكاسب بثمن قليل وتحقق الأهداف دون خسائر تذكر ، مقارنتا بالعمليات المماثلة التي لا تعتمد الإخراج ، فعلى سبيل المثال يمكن لوزارة خارجية دولة من الدول ان ترسم وتخرج سيناريو لها قد يكلفها عشرة ملايين دولار أمام مأزق خطير آيل لنشوب حرب عسكرية ، فلاحظ قيمة السيناريو والإخراج أمام قيمة الحرب التي قد تحتاج الى عشرات المليارات من الدولارات ، فالعمل الإخراجي آو السيناريو إنما هو بمثابة توجيه أو تصويب للمجتمعات من خلال طرح كم من الثقافات أو المعلومات وفق رؤيا فنية عالية ، وهذه الرؤيا يمكن ان تهيمن على العقول أو تسيطر عليها ، (ان عملية تسلل المعلومات والأنباء الخاطئة والكاذبة الى عقل الإنسان ، والى المجتمع مسالة مهمة جدا ، بل وخطيرة ، لأنها تدخل في التكوين الفكري للإنسان لتؤسس للقاعدة التي يبني عليها أفكاره وآراءه ومتبنياته ، وبالتالي فإنها تؤثر على عالم الفعل فترسم المواقف والاتجاهات ، فالعلاقة وثيقة بين الإعلام والثقافة من جهة تأثير الأول بالثاني ) . ان الإخراج متوافر بحياتنا اليومية بشكل كبير ،فكل إنسان إنما هو مخرج لنفسه أمام الأصدقاء أو الناس الذين يتعامل معهم ومالم يتقن إخراج نفسه أمامهم نراه معرض للعديد من الانتقادات اللاذعة ، فمثلا يرتدي الإنسان أزياءه ليذهب الى دائرته أو مدرسته أو كليته وهو مخصص ومهيأ تلك الأزياء قبل أيام أو ساعات من ارتدائه لها ، كذلك نرى انه يتصرف أمام مديره أو مسئوله بتصرفات غير التصرفات التي يتصرفها مع أخيه الصغير أو ولده أو أمه أو أخيه فكل واحد من أولئك الأشخاص له وضع خاص في التصرف والسلوك أمامه ، إذن هناك كم من التصرفات والإجراءات والحيثيات والتنظيمات في السلوك أو التصرف ، هذا الشيء هو الإخراج أو السيناريو بعينه ، إلا ان طبيعة هذا النوع من الإخراج أو السيناريو يكون بنسب وبحالات متباينة من حال الى آخر ، أي أنها تكون في الموسسات السياسية للدول العظمى على سبيل المثال بأحوال وأوضاع غاية في الإنفاق والدقة أو الكتمان بينما نجد هذه الحالة عند الإنسان العادي في سذاجة وتواضع ملحوظ ، وكذلك نرى على سبيل المثال ان وضع الإخراج يكون في شركات الإنتاج السينمائي العملاقة كشركة(Warner Bros) ورانر بروز أو (M G M)ميترو جولدون ماير أو(Colombia) كولومبيا غير الوضع الذي هو عليه في شركات الإنتاج السينمائي المصرية أو العراقية ، فطبيعة الإخراج في الشركات العملاقة مستند الى إمكانيات عملاقة من توفير الأموال التي قد تصل الى نصف مليار دولار لإنتاج فيلم بينما نجد ان الإمكانيات في الشركات العراقية أو المصرية لا يمكن ان يصل ولو لمليون دولار في اغلب الأحيان ، بطبيعة الحال ان مثل هذا الأمر سيقود الى نوعية متباينة من حيث النتيجة التي تعتمد بالأساس على كم الإمكانيات ، والواقع ان مثل هذا الأمر ينطبق على الدول التي تصنع القرار السياسي الدولي ، أي ان الإمكانيات التي تمتلكها الدول تعكس طبيعة القرار والحال الذي تصل إليه ، بمعنى ان الإخراج للوضع السياسي الدولي يقترن بقدرة وإمكانية الدولة من حيث توفير السبل والوسائل والأموال الكافية للتخطيط والتنفيذ ، فدولة مثل فلسطين على سبيل المثال لاتمتلك ارض ولا مال ولا سيادة لا يمكن ان تصنع قرار دولي مشابه للقرارات التي تقررها أمريكا التي تمتلك من الإمكانيات ما تفوق كل الإمكانيات التي تمتلكها فلسطين ، لذلك يكون الإخراج لمثل هذه الحال مرهون لعديد من الأمور والظروف ، وهذا الأمر بالواقع خلق نوع من المنافسة مابين الدول العظمى لفرض منتوجها الإخراجي أو لفرض السيناريوهات التي أعدتها في تحقيق الأهداف التي تنشدها (يشتد ويحتدم الصراع حول تدفق الإنتاج السمعي – البصري حتى بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية المتطورة، فرنسا خاصة . يكفي ان نتذكر رد الفعل الفرنسي عند إقامة ديزني لاند في فرنسا ) . ان الإخراج الذي نحن بصدده لايقل شانا من الإخراج الذي تعتمده الدول العظمى في صنع القرار الدولي ، فاغلب الدول العظمى اعتمدت في صنع قرارها على قدراتها التنظيمية لبلورة السياسة التي ترموا لها ، بل ان الوضع الراهن الذي نعيشه الآن بالأساس اعتمد الإمكانيات الإخراجية السينمائية والتلفزيونية التي انعكست عبر حقبة من الزمن على العديد من شرائح المجتمع لتحقق العملية السياسية المنشودة من وراء الفعل الإخراجي والفلمي في السينما ، وذلك بحكم القدرات التأثيرية للتلفزيون والسينما . لقد لعب السيناريو والإخراج السينمائي والتلفزيوني دور بارز في خلق الكثير من الأزمات أو المواقف السياسية ، وذلك من خلال الإقناع الذي يتمتع به السيناريو أو العمل السمع بصري في التأثير بالمجتمعات ، ولعل الاستخدامات المتعددة والمتكررة للأعمال التلفزيونية من قبل الإدارات الأمريكية على الصعيد السياسي خير دليل على ذلك ، فهناك كم كبير من الأنشطة التلفزيونية المفبركة أسهمت وبدور فاعل في حسم الكثير من القضايا السياسية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، ولعل من أهم تلك الأنشطة الفلم الذي قام به المخرج الكبير ستانلي كوبرك في استوديوهات (MGM) البريطانية لتصوير الرواد الأمريكيين على سطح القمر إبان الصراع مع الاتحاد السوفيتي السابق والذي أصبح فيما بعد محط انتقادات من قبل (KBG)المخابرات الروسية التي كشفت عن الكثير من الأخطاء والخدع في الفيلم الذي عرض والذي يبين كيف تفوق الأمريكان على الروس بالصعود الى القمر ، إلا ان هذه الأخطاء والخدع التي كشفت من قبل الـ (KBG) لم تحد من النتائج المتقدمة التي توصلت إليها الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الفيلم الذي افترض سطح القمر والكوادر الأمريكية في الفضاء . هناك كم كبير من الأفلام التي كثيرا ما تعكس السياسات والدعايات للجهات المنتجة ، الأفلام ، (( تؤدي الأفلام دوراً مهماً في خلق الوعي السياسي من اجل إعداد الرأي العام لقبول السياسة التي تنتهجها الدولة لإجراء التغيير المطلوب ، فالفيلم وسيلة من وسائل الإعلام التي تستخدمها الحكومات لدعم جهودها من اجل التنمية ، وقبل الفيلم استخدمت الحكومات الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة ، ويساعد الفيلم في نقل المعلومات هرمياً في الدولة كلها من رأسها الى قاعدتها ))( ) فأفلام مثل أفلام جيمس بوند ليس بالضرورة ان تحتاج الى تفسير لكي تعلن عن محتواها إزاء السياسات الأمريكية ، فهي أشبه ما تكون نذير عما تطمح له أو تؤول له السياسات الأمريكية ، ذلك لان هذه الأفلام تستعرض كل خلجات السياسة الأمريكية ، فهي تعلن صراحتا عن الصراعات التي تتأملها ، وبالعودة الى أفلام بوند القديمة نجد ان هذه الأفلام كثيرا ما تعلن عن الصراع مع الاتحاد السوفيتي السابق إبان الحرب الباردة ، ومع استمرار سلسلة هذه الأفلام نرى ان الأفلام تناولت العدو الجديد لأمريكا فيتحول الى دول أخرى كأفغانستان أو كوريا الشمالية أو بعض الدول التي تخطط لها أمريكا ، ففي فيلم (Living in daylight ) أحياء في وضح النهار الذي مثل فيه الممثل ثيمولتي دالتون دور جيمس بوند نجد ان الفيلم تناول أفغانستان بشكل صريح وواضح وما ان انهار الاتحاد السوفيتي حتى ونرى ان أميركا تدخل في أفغانستان ، بينما نجد ان العدو الذي يظهر أمام جيمس بوند في فيلم (Dai another day) مت في يوم آخر والذي جسد فيه بيرس بروسنان دور جيمس بوند نجد انه كوريا الشمالية التي تمتلك الأسلحة النووية والتي هي الآن المحور السياسي للسياسة الأمريكية ولا ندري هل ان الفيلم القادم لجيمس بوند سيتناول إيران التي هي الأخرى محط قلق لأميركا أم ان هناك الصين التي تهدد صناعاتها الاقتصاد الأمريكي . ان هذه الأفلام تتناول صراحتا عما يجول في داخل أفكار الدول المنتجة للأفلام ، وهي بالنهاية تعوض عن الرموز أو الإيحاءات التي ترغبها وزارة الخارجية الأمريكية على سبيل المثال في ان تعرب عما يدور في ذهنها ، وهي بذات الوقت يمكن ان تكون بمثابة صواريخ موجهة للبلدان التي تضايق أمريكا ، فهي أعلنت صراحتا في أفلام جيمس بوند عن كميات الأسلحة وأنواعها في البلدان التي تخشاها وبنفس الوقت عرضت أسلحتها ومعداتها المقاومة لتلك الأسلحة المعادية من وجهة نظرها ، والواقع ان أميركا قد استخدمت الأفلام كوسيلة من وسائل الدعاية لها أو من وسائل التأثير بالمجتمعات ليقينها بالفعل الساحر للفيلم بالجمهور ، وهنا يذكر ريجارد شيكل في كتابه مستقبل السينما ( من خلال تطور تكنولوجيا الفيلم يستطيع ان يؤثر في أحاسيس المشاهد وعواطفه بشكل أكثر مباشـرة من الفنون الأخرى فالفيلم يشد المشاهد ويقنعه وذلك بسبب انه يبدو حقيقياً )( ). بالإمعان الى أفلام ارنولد مثل فيلم (Terminator ) الفاني أو فيلم (Eraser) الماحي أو فيلم (The 6th day and last) اليوم السادس والأخير تتبلور أمام الأعين استعراضات مبطنة ومباشرة للأسلحة العسكرية الأمريكية وللقوة الأمريكية ، فهناك حسابات اقتصادية على ما يبدو في وزارة الدفاع الأمريكية دقيقة جدا لدرجة ان الوزارة وعلى ما يظهر تحقق أرباح مادية من جراء الأرباح للأفلام السينمائية وهو على عكس الحال مع وزارات الدفاع الأخرى في العالم ، حيث ان وزارة الدفاع الأمريكية تستعرض إمكانياتها العسكرية ضمن أنماط جديدة غير مألوفة كما هو الحال مع وزارات الدفاع الأخرى التي تنفق ملايين الدولارات كي تستعرض جيوشها وأسلحتها العسكرية وبالتالي تكون هناك نفقات مالية كبيرة على الاستعراض بينما نجد ان أمريكا تحقق من الأرباح المذهلة في استعراض قواتها العسكرية عبر ضباطها وجواسيسها ورجال أمنها الذين يظهرون في الأفلام السينمائية وهم بأرفع واعلي المستويات . ولعل ما ذكره الكاتب جون هوارد لوسون في كتابه (الفيلم في معركة الأفكار) تأكيد لذلك حيث يقول (أنه جرى الاتفاق على وجوب الحكم على الفيلم بوصفه أداة للسياسة الخارجية وان الأفلام التي ترسل الى البلاد الأخرى لابد أن تخدم احتياجات الدعاية الحكومية وهو اتفاق ظل ساري حتى في عصر تفوق فيه التلفزيون على السينما في كم الإنتاج) ،فكثير من الناس يتصرفون بتأثير التلفزيون والسينما ، وكان الدكتور زكي الجابر قد أكد أيضا ذلك في سنة 1968 حين قال (( التلفزيون يتحمل مسؤولية تحسين الذوق والارتفاع به ))( ) بمعنى ان التلفزيون أصبح هو الذي يحدد الذوق للمتلقين ، فكثير من التصرفات البشرية نرى الآن تأثرها متصاعد ومتزايد بفعل الإخراج السينمائي والتلفزيوني ، فبعد ان انتشرت السينما لسنوات طويلة في العديد من الدول والمجتمعات نرى ان اغلب تلك المجتمعات تأثرت ومن ثم تغيرت بفعل العمل السينمائي الذي ظهر من على الشاشة ، فالأزياء التي يرتديها البشر في الكرة الأرضية الآن تكاد تكون موحدة بحكم التأثير الناجم من السينما والتلفزيون ، فهذه الأزياء إنما هي ذات الأزياء التي ظهرت أول مرة من على السينما وتأملتها ، فعلى سبيل المثال نلاحظ في الوقت الحاضر ان الوطن العربي بالأغلب يرتدي الزي الرسمي الذي هو معروف بالبنطلون والجاكيت والقميص بينما نجد ان مثل هذه الأزياء كانت غير موجودة أساسا في المجتمع العربي قبل دخول السينما ، أي ان الأزياء السابقة للدول العربية هي الجلابية والعباءة والعمامة العربية وما شابه ذلك ، بينما اليوم نرى ان كل الشباب تقريبا يرتدون الزي الغربي الذي يظهر من على شاشات السينما والتلفزيون ، وهذا الأمر هو مشابه لما يحدث في الهند والصين ورومانيا وباقي الدول التي تتمتع بنوعية مميزة من الأزياء ، أيضا هناك جملة من التصرفات والعادات بدأت تنشب بين صفوف المجتمعات وهي عادات وتقاليد دخيلة بحكم السينما والتلفزيون وجراء العمل الإخراجي الذي يقود السينما والتلفزيون ومن ثم يؤثر بالناس كيف ما يشاء ، ونلاحظ ان اغلب الشباب بات يتفاخرون بالتصرفات الغربية التي يتلقفونها من الشاشة ويعتبرونها نوع من التقدم والازدهار ، والحقيقة هي غير ذلك تماما ، بل ان تصرفاتنا نحن الشرقيين أو العرب أصبحت كلها غير محبذة أمام تصرفات الغرب وان تصرفات الغرب هي الصحيحة ونحن الخطأ ، وعلى سبيل المثال اذكر إني حين سكنت بإحدى الفنادق خلال سفري لإحدى الدول العربية وبينما كنت ارتدي قميص وانأ مستعجل جدا للخروج من غرفتي وكانت أزرار قميصي العلوية مفتوحة ودون قصد أتى مدير الاستقبال وقال لي ( أرجوك يا أستاذ هذا فندق محترم ولا يجوز التعري فيه بهذا الشكل )، فخجلت واعتذرت بينما وانأ اخرج من صالة الاستقبال أتت امرأة بريطانية وزوجها وهي ترتدي (البكيني ) وزوجها يرتدي المايوه ويتمخطران بالفندق دون أي استفسار أو مسالة وحين سالت مدير الاستقبال عن هذا التعري قال لي (هؤلاء أجانب ) ،(فلماذا اعتبر مدير الاستقبال نسيان غلق الزرار العلوي لقميصي تجاوز وتعري ولم يعتبر المايوه والبكيني عند الأجانب تعري أو تجاوز) لم أطيل الحديث مع مدير الاستقبال وتجاوزته لأني مدرك تماما بان العرب وصلوا الى مرحلة بان كل ما يقومون به الغربيين هو صحيح وما نقوم به نحن خطا ، والواقع ان هذا الأمر تحقق بفعل السينما والتلفزيون التي هيمنت على عقول المتلقين وأردتهم أسرى للغرب ، وقد أكد هذا الدكتور سعد لبيب عندما قال : (( التلفزيون ظاهرة اقتحمت علينا حياتنا المعاصرة اقتحاماً عميقاً قاسياً ، وكأنه القدر الذي لا مفر منه . فقد أصبح التلفزيون شريكاً – بالقوة – في حياتنا العائلية ، بل في كل جوانب حياتنا الفردية والاجتماعية ، يتدخل في كل شيء ويترك بصماته الواضحة على قيمنا وسلوكنا وعاداتنا واتجاهاتنا وأفكارنا بل انه يكاد يجردنا من هذه الأفكار فقد أصبح هو الذي يوجهنا الى السبيل الذي نختاره لحل مشاكل الحياة على اختلافها وأسلمنا نحن له القيادة في سهولة ويسر دون أية مقاومة ))( )إذن هناك مؤثرات عميقة دخلت بالمجتمع العربي جراء الفعل الإخراجي والقدرات السينمائية الإعلامية ، ولا داعي هنا للغوص في تفاصيل أكثر على ما نذكره . نود هنا ان نبين بان القدرات الإخراجية التي هي بالأساس غير قاصرة على المخرجين في السينما أو التلفزيون بل بالحياة اليومية المليئة بالعمل الإخراجي بشكل أو بآخر ، فالكل يخرج عمله وسلوكه وتصرفاته وكيف ما يشاء وحسب ما تمكنه القدرات والآليات التي يستحوذ عليها ويتمكن منها ، إذن العمل الإخراجي لابد وان يرتهن بكم من القدرات والإمكانيات ، هذه القدرات أو الإمكانيات تتفاوت من حال الى آخر ومن وضع لآخر ، لذلك النتائج والتأثيرات تكون أيضا متغايرة وغير متطابقة ، والمخرج لابد وان يدرك تلك الإمكانيات ولابد ان يحكم ويجيد التصرف بهذه الإمكانيات وفق الأنظمة ووفق التقليد الصحيح الذي يؤمن انتاح فني صحيح ، ومن هنا كان عليه الاطلاع والمتابعة والإصغاء والهدوء والقراءة ورباطة الجأش والحسم والقيادة والموسوعية والاهم من ذلك كان عليه ان يتمتع بالموهبة التي تمنحه الخيال والرؤيا في خلق أجمل وأروع الصور والأحداث . ان عملية الإخراج ليست مهنة فقط ، إنما هي بصيرة متوقدة لخلق الأشياء من العدم ، أي ان المخرج هو إنسان عادي، إلا انه يتمتع بإمكانيات الساحر الذي يبهر الناس بالبدع والتنظيم لتحقق التأثير بالمجتمع ، وما لم بتمتع هذا الإنسان (المخرج ) بإمكانيات التأثير بالمجتمع لايمكن ان يكون مخرج . والمخرج بالإضافة الى انه مبدع فهو إداري ناجح أيضا، وما لم يكن إداري فهو مخرج فاشل ، ويذكر هنا احمد كامل مرسي في معجم الفن السينمائي خاصية الإدارة ويبين أنها عملية من عمليات المخرج حيث يقول (مهمة الإخراج مهمة شاقة ، تتطلب جهدا وفنا ، تتطلب عملا متواصلا يجمع ما بين مظهر القيادة والسياسة والدراية، للربط وتدعيم العلاقات بين الوحدات الفنية، والطاقات البشرية ، والمعدات والآليات، في وحدة وتفاهم ، حتى يتم التفاهم ، ويتم الخلق الفني ، ويتحول اللفظ المكتوب الى الفيلم المعروض ،في صورة مرئية وصوت مسموع، هي الخطة المرسومة للحركة في المنظر ، والتي تتلاءم بين الممثل وبين ما يحيط به من أشياء وممثلين ) المخرج (هو المسئول الأول عن تحقيق الفيلم في صورته النهائية وهذه المسؤولية لها وجهانالفيلم) الأول خلاق والثاني أدارى ،فمن الناحية الأولى يعتبر المخرج بمثابة الفكر الحساس الموحد لكل العناصر الفنية التي تتعاون في تشكيل الفيلم في صورته النهائية .ومن الناحية الأخرى فالمخرج هو المدير الفني لجميع الفنيين والفنانين الذين يعملون في الفيلم) الإخراج:هي عملية فنية وإدارية شاملة تبدأ بالسيناريو مرورا بتقدير الميزانية وطاقم العمل وغيرة وتنتهي بالفيلم الجاهز للعرض . ---- ------------------- من الصفات التي تميز المخرج عن باقي الشخصيات يمكن تلخيصها بما ياتي : 1- الخيال الخلاق 2- رباطة الجأش 3- التفكير المنطقي 4- الاختيار 5- هدوء الأعصاب 6- القيادة 7- التهجين والتركيب والمزج 8- التفسير 9- الإدارة المركزية المخرج هو الموجة الأساس في العملية الإنتاجية من خلال معرفته التامة والشاملة لكل دقائق وتفاصيل العمل الفني حيث يوجه مدير التصوير والمونتير ومصمم المناظر و مدير الإضاءة والممثلين والماكير ومهندس ومسجلي الصوت وشخصيات أخرى مهمة في تنفيذ العمل التلفزيوني والسينمائي ، وبما ان المخرج يوجه أولئك الفنيين والحرفيين والإداريين فهو على معرفة ودراية بكل تلك العمليات الفنية لدرجة ان بإمكانه ان ينوب عن كل واحد منهم في حال غيابهم أو حدوث ظروف استثنائية والمخرج يجيد أعمال الفنيين المشاركين في العملية الإنتاجية و يفقه كل الأمور التي تحيط بالعمل من تشكيلات صورية ومؤثرات خاصة وتصميمات خاصة بالأزياء والمناظر والمخرج هو في ذات الوقت بارع في كتابة النص أو السيناريو، وبارع أيضا في معالجة الدرامية لكل الأحداث والمواقف التي يعتمد عليها العمل الفني . (( المخرج هو ليس الرجل الذي يجلس على الكرسي ويأمر كيف ما يشاء بل هو مفكر ومفسر وقائد عظيم ومدير ناجح ومؤسس لفكرة قد تكون بسيطة، إلا انه يجعلها قضية على مستوى دولي ، فهو شخص غير عادي في كل الأحوال رغم انه واحد من بشر )) المخرج الكبير بالعودة الى تاريخ بعض المخرجين الكبار تظهر حقيقة مفادها أن هؤلاء الكبار من المخرجين بدءوا العمل بوظائف وحرف بسيطة ضمن كم كبير من الاعمال التي تنفد كي يتحقق الفلم السينمائي ، فمخرج عظيم مثل الفريد هتشكوك يعمل خطاط ، أو مخرج مثل مصطفى العقاد يعمل مساعد مخرج و مساعد إنتاج ، أو مخرج مثل كلينت ايستوود يبدأ كممثل بادوار سينمائية ، أو مخرج مثل ستيفن سبيلبرغ يهوى الإخراج السينمائي من خلال تصويره بكاميرا نوع 8ملم ...الخ ، كلهم مبدعين في تلك الاعمال السهلة أو البسيطة كما تبدو للبعض كونها تشكل أجزاء بسيطة من الفيلم ،إلا ان أولئك المخرجين أساسا هم مبدعين حتى في هذه الاعمال البسيطة لدرجة أنهم تدرجوا وأصبحوا عمالقة فيما بعد ، فهم أتقنوا وبرعوا في هذه الأجزاء من الفيلم أي أعمالهم التي تشكل بعض الوصلات من العملية الإنتاجية الضخمة لتكون هذه الأجزاء بالنهاية محط تجاربهم وخبراتهم للعمل ، فهذه الأجزاء التي عملوا بها إنما هي تجارب كبيرة ومهمة في حياتهم ، فصحيح هي أجزاء سهلة من الإنتاج العام للفيلم لكنها تجربه مهمة للغاية وذلك لاندماج الأجزاء البسيطة مع الأجزاء الأخرى المناظرة أو غير المناظرة التي تبني الفيلم فتكشف هذه الأجزاء البسيطة أمام هؤلاء العباقرة في العرض النهائي للفيلم مزيد من الأسباب والدوافع أو الدواعي لإنشاء وبناء تلك الأشياء البسيطة ، ان الأشياء البسيطة هي التي تصنع الأشياء الكبيرة ، والإبداع في الأجزاء الصغيرة بالفيلم هو إتمام في الاعمال الكبيرة ، لذلك فان المبدعين في الأشياء الكبيرة هم ذات المبدعين والحريصين على الأجزاء الصغيرة . المخرج هذا الإنسان المسئول عن الاعمال الكبيرة يرتقي في اغلب الأحيان بصناعة ابسط الأجزاء من العمل ، فهو بارع في صناعة الأجزاء الصغيرة قبل ان يكون بارع في الاعمال الكبيرة ، وهذا الأمر لايعني انه يصنع كل الأجزاء الصغيرة لينجز ما هو كبير ، بل هو قادر على ان ينجز هذه المهام الصغيرة وربما ببراعة ، إلا انه يمنح التخصص حقه لانجاز العمل بأسرع وقت ممكن وبأفضل النتائج ، فهناك كم كبير من المخرجين لايصنعون الأجزاء الصغيرة كأعمال الماكياج أو المونتاج أو تنفيذ الملابس أو الإضاءة أو الكلاكيت الخ ، إلا أنهم يدركون كل الأجزاء الصغيرة و أهميتها بل و ضرورتها في تحقيق العمل الكبير و هم بالنتيجة يظهرون من الاعمال المتميزة التي تحقق إقبال جماهيري ، ان هؤلاء المبدعين قلائل في الأوساط الفنية والإعلامية كونهم يجمعون ما بين الممارسة والإبداع والخبرة بحكم التراكمات التي توافرت لديهم من جدية العمل الذي يقدمون عليه ،فهم في اغلب الأحيان يمعنون بأبسط الأشياء ويتوقفون عندها لكشف اغلب تفاصيلها ، بل أنهم في بعض الأحيان لايمنحون حجم هذا الإمعان أو الدقة لأمور أكثر أهمية وذلك بحكم حساباتهم وتصوراتهم للأعمال التي يقومون بها بشكل عام ، بمعنى ان التصورات التي يمتلكونها في ان يخلقوا أعمال متكاملة هي تصورات نابعة من كم التراكمات في الاعمال التي اشتركوا بها ، وهي تصورات من خلال الخبرة في صناعة تلك الأجزاء الصغيرة في الاعمال المتكاملة كان يكون المخرج عامل إنتاج فبل عشر سنوات أو أكثر أو ان يكون مونتير قبل عشرون عام أو مساعد مصور أو مدير إنتاج أو أو ..الخ ، وهذه الاعمال الصغيرة قادته بالنتيجة الى ان تنشا أمامه تصورات تامة لكيفية خلق الاعمال المتكاملة لذلك يقول اندرو بوكانان في كتابه صناعة الأفلام (المخرج الأكثر احتمالا للنجاح هو الشخص الذي شق طريق مبتدى كفتى لوحة الأرقام (كلاكيت) أو مساعد للمصور أو مساعد في حجرة المونتاج ، أمام المخرج الذي لايعرف عن أداء الكاميرا وتسجيل الصوت والمونتاج إلا القليل فهو في مركز لا يحسد عليه ، من المخرجين النادرين يجمعون ما بين المقدرة وقوة الخلق والإبداع وبالمعرفة الفنية السليمة ، أولئك هم المخرجون العظام ) . لايكفي ان يتخرج الإنسان من معهد للسينما أو أكاديمية فنية ليصبح مخرجا على الفور ، بل ان هناك حيثيات عديدة لابد ان يسهب بها الإنسان ويتوغلها كي يتمكن من ان يصبح مخرجا ناجحا ، فهذه الحيثيات إنما هي أسرار للعمل الإخراجي على الإنسان ان يغوص بها ليتعمقها كي يتحقق الإدراك الكافي للعمل الإخراجي ، فبالإضافة الى الموهبة التي لابد ان يتميز المخرج بها ، هناك الممارسة العملية التي هي أساس لا يمكن الاستغناء عنها كي يكون الفرد بصفة مخرج . هنا وبعد ان تناولنا المخرج لابد من ان نتطرق الى السيناريو والسينارست ونتناول المواصفات التي يتمتع بها السينارست ، فمن هو السينارست ؟ كاتب السيناريو (السينارست) كاتب السيناريو أو السينارست هو الذي يختص في توصيل الأفكار أو القصص أو الروايات أو أي موضوع يرتئيه عبر مجموعة من الاستخدامات الصورية والصوتية التي يتخيلها في ذهنه ويدونها على الورق أو عبر مهاراته في وصف الأحداث وتسلسلها المنطقي المؤثر وعبر إمكانياته في بلورة الحوار المتزامن مع السرد الذي يختص في وصف الحركة والشخصية والمكان والزمان والديكور والإكسسوار والأزياء وما الى ذلك من عناصر تظهر في الصورة المنتمية للعمل الذي سيكتمل بعد التنفيذ له ويصبح عمل صالح للعرض ويحقق غرض ما . هناك جملة من الأمور الواجب معرفتها حين نطلق كلمة سينارست على شخص ما ، ولعل أولى تلك الأمور هي ان كلمة سينارست تتسق بالشخص الواعي والمدرك والناضج ذو الشهرة والشأن الرفيع . أي ان كلمة سيناريو لا يمكن ان تتسق بأي شخص بل هي كلمة تليق بأناس متخصصين ذو مكانة رفيعة في المجتمع ، حيث ان هذه الصفة لا تتواءم مع كل الاختصاصات رغم إننا أسلفنا ان السيناريو يدخل في اغلب المجالات ، ويذكر أنطوان غندور في لقاء معه بمجلة الحان ( كاتب السيناريو يفترض فيه ان يكون أكثر من كاتب ، انه سينارست ، والمقصود انه فنان في التركيب وفي التفاصيل ، وهو المسئول عن تحضير النص للكاميرا ، انه يكتب للكاميرا فعليها ان تظل موجودة في وعيه عندما يكتب ، والسينارست في النهاية عين الكاميرا التي يفترض ان تشاهد ) . إذن كاتب السيناريو هو رجل رفيع المستوى يحمل من المواصفات ما تميزه وتجعله متميز عن غيره ، وهذه المواصفات في الواقع عديدة وكثيرة جدا كونها مواصفات كلما توافرت أعطت نتائج ايجابية للسينارست وجعلت منه من الكتاب النوادر أو القلائل الذين يكسبون الثقة بالمتلقين وبجهات الإنتاج ، حيث ان كتاب السيناريو ازدادوا في هذه الأيام ، فمع تطور العصر وازدياد وانتشار الاعمال السينمائية والتلفزيونية التي ازدادت بشكل كبير وواسع بحكم الاتصال المتعدد والمتنوع وازدياد القنوات الفضائية التي تحتاج الى كم هائل من النصوص أو السيناريوهات ازدادت نسبة كتاب السيناريو، ومع ازدياد كتاب السيناريو وبشكل مبالغ فيه تضاءلت المواصفات الواجب توفرها في الكتاّب . فلو عدنا لسنوات ماضية لوجدنا ان كتاب السيناريو هم اقل بكثير مما هم عليه الآن ، ولوجدنا ان من بين كتاب السيناريو القدامى ممن هم تبوءوا مناصب مهمة في المجتمعات والحكومات فهناك من الكتاب ممن تبوءوا مناصب بدرجة وزير أو بدرجة رئيس لجمهورية مثل الرئيس الجيكوسلوفاكي السابق (باستلاف هافل) ، وهناك الكثير ممن أصبحوا في مراكز مهمة في المجتمع بحكم الخبرة والعلمية والحكمة التي يمتلكونها جراء عملهم ككتاب للسيناريو . وكتاب السيناريو بشكل عام تميزهم بالدرجة الأساس الموهبة قبل كل الأشياء ومن ثم المعرفة والحرفة التي تأتيهم جراء الخبرات أو الممارسات والتجارب ، وهذه الموهبة قبل ان نتحدث عنها أو نخوض في أعماقها لنفهم ماهيتها أو دورها في كتابة السيناريو لابد وان نستعرض مزيد من الظروف أو الشروط التي تؤهل الإنسان في ان يكون كاتب سيناريو . وهذه الشروط الواجب توافرها في كاتب السيناريو هي: - 1- ان يكون ذو مخيلة واسعة ورؤيا شاملة ، حيث ان كاتب السيناريو إنما يكتب في أكثر الأحيان ما هو غير موجود في المجتمع بل انه يبتكر ويمتزج ويخلق كيف ما يشاء وفق تسلسل وسببية مقنعة وهي ما تجعله ( المخيلة ) ذو خصوصية عن باقي الأشخاص في ان ينفرد في كتابة ما ، حيث ان المخيلة إنما هي الكفيلة في خلق الموضوع بالشكل الكامل فهناك وفرة من الموضوعات الغير جاهزة أو الغير صالحة لان تكون سيناريو ، فقط هي المخيلة التي يحملها كاتب السيناريو كفيلة بان تحولها الى سيناريو وكذلك هناك جملة من الأفكار والأحداث المتناثرة والمنتشرة في أرجاء شتى والمخيلة أو الرؤيا التي يمتلكها الكاتب هي التي تجمع تلك المتناثرات والفتاتات والمجموعات والأحداث وما الى ذلك وتحولها الى موضوع ذو وحدة وهدف متكامل . إذن المخيلة (Visualization ) والرؤيا التي يمتاز بها الكاتب هي المولد للموضوعات التي سيقوم فيما بعد بكتابتها ، وهي الرافد الأساس في خلق الروايات أو السرد أو الحوار أو العناصر الأساس في السيناريو ، (السيناريو تخيل ، فبقدر ما يكون خيالك مقنعا تكون سينارست ناجح ، وإذا وضعنا مسالة التكنيك جانبا ، فالسينارست الناجح هو الذي يقرب المشاهد من خياله هو ، أفلام بولونسكي وفليني مثلا تجبر المشاهد على التخيل الملازم ، ولكن هناك أعمال بسيطة مباشرة وواضحة تقول أشياء كاملة وتسلس ) . 2- ان يكون كاتب السيناريو واسع الثقافة وكثير التطلع للموجودات أو الموضوعات والفنون والعلوم ، حيث ان الثقافة التي يتطلع عليها كاتب السيناريو تحصنه من الخطأ المحتمل كون ان السيناريو يجمع مزيد من المواقع والشخصيات والحالات والأحداث وما الى ذلك من تنويعات عديدة داخل المجرى الفيلمي أو السردي في العمل وهي بحاجة الى مصداقية والى دقة لكي تكون مقنعة وصحيحة في نفس الوقت أمام المتلقي ، فهي التي تقود المتلقي في ان يتقبل العمل أو يرفضه ، وهي التي تحدد فيما بعد ديمومة العمل وآفاقه كون ان المعلومات التي تظهر في العمل أشبه بما تكون تنبؤات للمستقبل ، لذا فهي غاية في الأهمية في ان تكون صحيحة ومؤكدة وهي ما ترغم في ان يكون كاتب السيناريو على مستوى عالي ، فطبيعة التنويعات وطبيعة التفرعات وطبيعة الأمور الثانوية التي يتعرض لها السيناريو في مجرى الأحداث الدرامية والغير درامية تؤكد أهمية الدقة للمعلومات لتأمين سير الأحداث أو سير اتجاه العمل بالطريق الصحيح . 3- ان يتصف بالشخص الساحر ( Magician ) ، أي ان يتميز بأنه قادر على التغيير أو التأثير بالمتلقي أشبه بالساحر الذي يقدم أشياء عجيبة للناس ويبهرهم ، فالساحر غالبا ما يقدم أشياء جديدة لم يطّلع عليها اغلب الذين يتفرجوا عليه ذلك لان الأشياء التي تقدم فيما لو كانت معروفة سابقا أو معروفة وغير مؤثرة فإنها سوف تفقد أهميتها ولا تعطي فعالية ، لذا توجب ان تكون هناك أشياء جديدة وأشياء متجددة لا تخلق الملل عند المتلقي بل تخلق التأثير والمتابعة ، فمعروف ان الإنسان ميال الى كل جديد وكل ما هو غامض غير معروف ، حيث ان الإنسان حين يطلع على ما هو معروف أو شيء قديم لا يتأثر ، وحين يطلع على أسرار جديدة أو موضوعات ذات أهمية نراه يتأثر وينجذب نحوها وهو أمر غريزي ، ولما كان الكاتب غير قادر على تقديم كل الأسرار أو كل الغموض الذي يحمله الكون ، إذن كان عليه ان يكون ما هر في خلق البدعة كي يؤثر في المتلقي ويجرفه نحوه ، وإلا أصبح إنسان سوي كحال أي فرد في المجتمع لا يحمل التأثير أو الأهمية في هذا الجانب . البدعة في خلق الأحداث ومزجها أو خلطها بالموجودات والمكونات التي يرتئيها الكاتب هي السبيل الكفيل في خلق فبركة المزيد من المواقف التي تحمل التأثير وهي في نفس الوقت الأساس في بلورة المزيد من الحالات الغير مؤلفة التي غالبا ما يبحث عنها المتلقي. 4- ان يتصف الكاتب بسرعة البديهية والذكاء المفرط وذلك لان النمطية والرتابة هي المؤشرات السلبية في عزوف المتلقين عن الاعمال ، وبما ان البديهية والذكاء هي الصفتان اللتان تعملان على خلق التنبؤ الصحيح لدى الكاتب ، إذن كان لابد من توافرها في السينارست لكي لا تكون الاعمال مثبطة ومرهلة ومنمطة ، حيث وجد في الكثير من الاعمال غير الناضجة في التلفزيون وخصوصا منها العربية ان الأحداث تسير وفق تنميط غير مرغوب من قبل المتلقي ذلك للبديهيات التي يستعرضها العمل بشكل مفرط وللمعلومات المكررة والأحداث الغير مؤثرة جراء الاعتقادات غير الدقيقة في ذهن السينارست اثر المسلمات التي تبدو للكاتب نفسه أنها مفاجئات أو أسرار جديدة على المتلقي ، والواقع إنها تولدت بفعل البديهية الركيكة في السينارست نفسه وبفعل الذكاء المحدود الذي يمتاز به اثر التصورات والخيالات الغير ناضجة أو الغير مكتملة أو الرتيبة . 5- ان يتسم السينارست بالاستعداد والقدرة على المعايشة الميدانية في صلب الأحداث والقدرة في وصف أو تدوين كل الأحداث ، فهناك مزيد من الكتاب العالميين يلجئون الى المعايشة الميدانية في المجتمعات والأحداث بغية إنتاج أعظم وصف وتدوين أفضل الإنتاجيات ، وعلى العكس من ذلك نرى ان كثير من الكتاب الغير مقتدرين من الكتابة يكتفون بالوصف الذي نقل من مصدر غير دقيق أو صحيح أو يميلون الوصف الناتج من التوقع أو الحدس ويهملون المعايشة والجدية والصدق في نقل المعلومات . ان من أهم الأمور التي يحتاجها المتلقي في العمل الدرامي أو الغير درامي هي الدقة أو المعلومة الصحيحة وقد لوحظ ان المعايشة الميدانية عند أكثر الباحثين إنما تعزز أفضل النتائج وأدقها ، ولعل الشاعر ( أبو الطيب المتنبي ) الذي يعد واحد من أشهر الشعراء على مر التاريخ كان يتعايش في الكثير من المعارك لوصف الأحداث في شعره ، وهي ما جعلت من شعره يتسم بالجمالية والتأثير لوصفه أدق التفاصيل من الأحداث ، وكذلك هو الحال مع الممثل الكبير ( عادل إمام ) حين مثل فيلم ( الهلفوت ) الذي لجأ الى التعايش في منطقة شعبية رغم ترقيه ونجوميته لكي يتعلم ويتقن الشخصية ( الهلفوت ) التي حاكاها من إحدى الشخصيات الحقيقية في المنطقة الشعبية التي تعايش فيها اثر العمل الذي أقدم عليه وبالتالي قدم عادل إمام أداء مقنع ومؤثر . أيضا هناك تجربة حقيقية لسينارست عراقي كبير هو صباح عطوان ، فحين كتب مسلسل (عالم الست وهيبة) للمخرج فاروق القيسي ، مر السينارست صباح عطوان بمواقع تصوير العمل أثناء التصوير ووجد المواقع ليس كما رسمها أو تأملها في مخيلته ، بل وجدها غير جديرة بالواقع الذي افترضه ، الأمر الذي جعله يحاجج المخرج ويقنعه بالانتقال للمواقع التي شاهدها بنفسه في بعض المناطق الشعبية ، وبالفعل اقتنع المخرج فاروق القيسي بما أصر عليه الكاتب ونقل التصوير الى المناطق الشعبية ، ليعبر عن القصة الدرامية بأكثر جدية وينقلها الى المواقع الحقيقية في المناطق الشعبية لخلق جو يحمل المزيد من التأثير في المتلقين بعد ان صورت بعض المشاهد في بداية التصوير بديكورات ومواقع لا تتماشى مع ما رسم صباح عطوان في ذهنه ، حيث أكد صباح عطوان للمخرج وبإصرار على ان تكون المواقع حقيقية وفي أعمق المناطق الشعبية كونها تعطي مزيد من التفاصيل الدقيقة التي تؤثر بالمشاهد وتحمله الى ما يرتئيه المؤلف ، والتي تعجز عنها الديكورات مهما بلغت ومهما كانت، ذلك لان المواقع الحقيقية إنما هي الحقيقة وان الديكور هو الافتراض ، والحقيقة ابلغ من الافتراض مهما يبلغ الافتراض . إذن كان على الكاتب ان يحمل الاستعداد والانتماء في ان يستغني عن المكابرة أو الكبرياء في ان ينتقل الى عالم أدنى أو أرقى أو غريب عما هو عليه ، وان يتوسم بالقدرة على الانتقال والاكتشاف لكي يتمتع بالمزيد من الخصوصيات ودقائق الأمور التي يحتاج لها في كتابة السيناريو . القدرة على الوصف والمحاكاة أو التشبيه ، فبالرغم من الصفة الأساس التي يمتلكها الكاتب والتي هي القدرة على الخيال هناك صفة أخرى متزامنة معها وهي القدرة على الوصف والتشبيه حيث ان الكاتب ما لم يحمل الإمكانية في الوصف لا يمكن ان تكون أعماله مؤثرة كون ان الوصف إنما هو الأساس الذي يستند إليه المخرج في تجسيد الأحداث حيث ان هناك مزيد من الأمور التي تكتب في السيناريو يمكن ان تنفذ من قبل المخرج بأشكال عديدة ومتنوعة وبالتالي يمكن ان تبتعد عن الموضوع الذي يريد كاتب السيناريو ان يطرحه ومن ثم يكون العمل غير مكتمل وكذلك هناك الكثير من العبارات والكلمات المتشابهة التي يمكن ان تعطي معنى معاكس أو مغاير بما هو مراد قوله وبالنتيجة تكون الأحداث غير منطقية أو غير مؤثرة وتؤدي الى نتائج سلبية وإضافة الى ذلك لابد للكاتب ان يتصف بالقدرة على التعبير كي يكتب بما يفكر أو ما يريد ان يطرح . 7- ان يحكم استخدام المفردات والأمثال وان يكون خبيرا في الموروثات والتراث للمجتمعات التي يكتب عنها ، فكاتب السيناريو يلجأ وفي كثير من الأحيان الى استخدام المثل الشعبي أو المقولات المأثورة خصوصا في كتابة الحوار الذي يتطلب كم هائل من الكلمات والمفردات المؤثرة ذات الأهمية في نفسية المتلقي . 8- ان يكون كاتب نهم ، أي ان يكثر من الكتابات ، فالكتابة المفرطة تحسن من خبرته وتجعله متمرس ويجيد التعبير ، وبالإضافة الى ان يكون نهم في الكتابة عليه ان يكون نهم في القراءة و المطالعة رغم الثقافة التي يمتلكها ، حيث ان قدرته على قراءة القصص والروايات والأحداث في أوقات قصيرة تسعفه في التطلع بشكل واسع ، وترفده بأكثر المعلومات التي يحتاجها في كتابة السيناريو وهي ما تشكل له في النهاية خزين إستراتيجي لكل الاعمال التي سيقدم عليها وفي نفس الوقت تسعفه من ان يدون معلومات غير دقيقة . 9- ان يجيد تقنية السيناريو ، بان تكون له مخيلة كفيلة بخلق التقطيع المرئي الدرامي ، أي ان يجيد التعبير عبر التقطيع الدرامي للأحداث ، لا ان يسرد الأحداث وكأنها قصة بل يبنى أحداثه عبر تقطيعات صورية مؤثرة ومعبرة عما يريد ان يقول ، فهناك الكثير من الناس يمكنهم ان يسردوا العديد من الأحداث أو القصص أو المواقف التي مرت بهم أو التي تؤثر بالمجتمع، إلا أنهم ليس بالضرورة يجيدون كتابة السيناريو ، من هناك كان على كاتب السيناريو ان يتابع العديد من الأفلام العالمية المؤثرة وان يتعلم منها كيف تتحقق التقطيعات الدرامية التي تخلق نوع من الإبهار ونوع من السرد الفلمي ، والتي هي بذات الوقت تخلق التشويق للمتلقي الذي سيتابع كم من المشاهد وكم من الأحداث المتعددة والمقطعة التي لاتشعره بأي نوع من أنواع الرتابة أو الترهيل الذي يمكن ان يقضي على العمل الدرامي الفلمي بل ويحوله الى عمل عير فلمي كان يكون قصة أو رواية ، ويؤكد عملاق السينما العربية المخرج مصطفى العقاد بهذا الصدد فيقول حول الدراما العربية والكتاب العرب للسيناريو (عندنا كتاب وعندنا أدب كبير وكثير لكننا نفتقد الى كاتب يأخذ هذه القصة ويضعها في سيناريو ، هم لا يعرفون تقنية السيناريو الذي هو تقطيع درامي صالح للسينما أو للتلفزيون ، عندما يكتب المشهد يجب ان يكون عنده خلفية تقنية في المونتاج والإخراج والتصوير أي حركة الكاميرا ) .
انتهى الجزء الاول
يتبع الجزء الثاني 

مايلي روابط بقية أجزاء الكتاب
الإخراج والسيناريو2 ... الدكتور عبدالباسط سلمان
الإخراج والسيناريو3... الدكتور عبدالباسط سلمان
الإخراج والسيناريو4... الدكتور عبدالباسط سلمان
الإخراج والسيناريو 5 ... الدكتور عبدالباسط سلمان