اتجاهات إعلامية معاصرة... د. محمد جاسم فلحي

الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك
كلية الآداب والتربية
قسم الإعلام والاتصال

اتجاهات إعلامية معاصرة
د. محمــد جاسم فلحي

مقرر رقم07301
في الفصل الدراسي الأول لمرحلة الماجستير في الإعلام والاتصال
العام الجامعي2005-2006

المحتويات

المقدمة
الفصل الأول: الفضاء الإلكتروني والتحديات الراهنة
المبحث الأول: العلاقات الجديدة بين المرسل والمتلقي
1 ـ هل انتهى عصر المطبوع؟
2 ـ ولادة جيل الكتروني
3 ـ اتجاهات متوقعة
المبحث الثاني: الإعلام الصوري وسقوط الحواجز بين الحقيقة والخيال
1 ـ عصر السينما والملحمة الصورية
2 ـ الصورة التلفازية الحية
3 ـ الخيال والواقع.. بلا حدود
4 ـ أطفال الفيديو كليب!
الفصل الثاني: النشر الطباعي (الورقي)
المبحث الأول:عصر الكتابة والتدوين
1ـتطور وسائل المعلومات والنشر
2ـمهنة القلم
المبحث الثاني: عصر الطباعة والنشر الورقي
1 ـ الطباعة على الورق
2 ـ أنواع الآلات الطابعة
3 ـ أنواع الطباعة
4 ـ الورق الطباعي
5 ـ الأحبار الطباعية
6 ـ أزمة النشر الورقي
الفصل الثالث: النشر الإلكتروني
1ـ مفهوم النشر الإلكتروني
2 ـ مزايا النشر الإلكتروني
3 ـ النشر الإلكتروني ومعالجة وتجهيز الوثيقة
4 ـ أدوات النشر الإلكتروني
5 ـ النشر الإلكتروني بواسطة الأقراص المرنة والمدمجة
6 ـ الوسائط الإلكترونية المتعددة
الفصل الرابع: الصحافة الإلكترونية
1ـ التحول من الصحافة المطبوعة إلى الصحافة الالكترونية
2 ـ أنواع المواقع الإلكترونية
3 ـ مواصفات ومعايير الصحافة الإلكترونية
4 ـ مستقبل الصحافة الإلكترونية
الفصل الخامس: الكتاب الإلكتروني والمكتبة الإلكترونية
1 ـ الكتاب الإلكتروني
2 ـ المكتبة الإلكترونية
الخاتمة: وقفة أخيرة في طريق المستقبل

مقدمــــة

العصر الرقمي الإلكتروني يطرق عقولنا وحواسنا مثلما تُدَقُّ الأبواب والشبابيك المغلقة بعنف،ولا يمكن لأي عاقل أن يتجاهل هذا الخليط العجيب من الأرقام الحروف والأصوات والصور، التي تملأ الفضاء وتقتحم مدارك الإنسان، وتفرض أنماطاً من التحديات والسلوكيات التي يتعين فهمها، ثم الاستفادة من معطياتها،لكي يظل العقل الإنساني متحكماً في إرادته، وفاعلا ً في مصيره، ومشاركاً في مستقبله.
لكل عصر لغته وأسلوبه في التعبير عن أفكاره، ونحن اليوم نعيش عصر اللغة الرقمية الإلكترونية،التي اندمجت فيها كل وسائل التفكير والتعبير، التي ابتكرها الإنسان،وهو ما يسمى بالوسائط المتعددة والمتفاعلة.
لقد تغيرت الكثير من جوانب الحياة، تبعاً لتطورات وسائل الاتصال، بيد أن التقنيات الإلكترونية الحديثة تكاد ترسم صورة مختلفة لعالم جديد، لعل من أبرز خصائصه وفرة المعلومات وكثافتها وتدفقها بسهولة وسرعة فائقة، فضلاً عن التنوع في استخدام تلك المعلومات، والتحكم في مساراتها وتوجهاتها، وتوظيفها من قبل بعض القوى الدولية، لأغراض سياسية وإستراتيجية.
لم يعد الحاسوب( الكومبيوتر) آلة مبتكرة لإجراء العمليات الحسابية والإدارية والإعلامية فحسب، بل أصبحت هذه الآلة وما يرتبط فيها من النظم والشبكات الإلكترونية، وبالأخص شبكة(الإنترنيت)،تدخل في نسيج الحياة البشرية، وتؤثر في جميع النشاطات الاجتماعية والفكرية.
ثمة أسئلة ملحة يفرضها هذا العصر الرقمي الإلكتروني، يمكن أن يرد في مقدمتها:هل انتهى عصر النشر الورقي وبدأ عصر جديد، ليس فيه مكان للكتاب والمجلة والصحيفة؟.. هل كسرت الأقلام وبُعثرت الأوراق وطويت الصحف وجفّت الأحبار، في انتظار يوم عظيم؟.. وما نحن فاعلون في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه؟!..هل أن قدرنا أن نكون متلقين ومستهلكين فقط، أم أن أمامنا فرصة لنشارك وننتج ونتفاعل وسط سيل المعلومات الإلكترونية الجارف؟!..كيف نستطيع استخدام الأدوات والتقنيات الحديثة في مجالات الإبداع العلمي والثقافي؟..ما مواصفات الرسالة الإعلامية، وما دور المرسل والمستقبل في صياغتها ونشرها؟..كيف نواجه التأثيرات الناجمة عن الإغراق ألمعلوماتي، وانعكاساته المتوقعة على الفرد والمجتمع؟ أين مكاننا في عصر المعلومات وانفجار المعرفة، وكيف نستطيع تطوير وسائلنا الإعلامية والعلمية لتلاءم احتياجاتنا الاجتماعية والفكرية ؟.. هذه الأسئلة المطروحة، أصبحت اليوم محور تفكير الكثير من المفكرين والباحثين على امتداد المعمورة، حيث تقف البشرية برمتها على مشارف عصر جديد، يتميز بما يشبه الطوفان، لا يمكن أن ينجو منه سوى من يجيد السباحة وسط تياراته الجارفة، أما الذين يستلذون الاسترخاء والتفرج عند الشواطئ، فلسوف تجرفهم أمواجه العاتية بعد حين، حيث لا ينفع الندم.
يضم الكتاب خمسة فصول، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، ويتناول الفصل الأول: الفضاء الإلكتروني والتحديات الراهنة، من خلال طرح العلاقات الجديدة بين المرسل والمتلقي، والإجابة على بعض التساؤلات المهمة، في مقدمتها، هل انتهى عصر المطبوع؟.. وماذا تعني ولادة جيل الكتروني، وما الاتجاهات المتوقعة، في ظل العصر الرقمي؟. كما يناقش ثقافة الرؤية وسقوط الحواجز بين الحقيقة والخيال، مشيراً إلى مراحل تطور الإعلام الإلكتروني من عصر السينما والملحمة الصورية، إلى عصر الصورة التلفازية الحية، ومن ثم التداخل بين الخيال والواقع.. وظاهرة أطفال الفيديو كليب!
أما الفصل الثاني فقد تناول موضوع: النشر الطباعي (الورقي)، والتطور التاريخي من عصر الكتابة والتدوين ومهنة القلم، إلى عصر الطباعة والنشر الورقي، بعد اختراع الطباعة الميكانيكية، ويستعرض آلية الطباعة على الورق وأنواع الآلات الطابعة وأنواع الطباعة والورق الطباعي والأحبار الطباعية وأزمة النشر الورقي.
ويطرح الفصل الثالث موضوع: النشر الإلكتروني، من خلال عدة محاور، من أهمها:مفهوم النشر الإلكتروني ومزايا النشر الإلكتروني،والنشر الإلكتروني ومعالجة وتجهيز الوثيقة،وأدوات النشر الإلكتروني،والنشر الإلكتروني بواسطة الأقراص المرنة والمدمجة، والوسائط الإلكترونية المتعددة.
أما الفصل الرابع فيتناول مفهوم: الصحافة الإلكترونية،والتحول من الصحافة المطبوعة إلى الصحافة الالكترونية، وأنواع المواقع الإلكترونية،ومواصفات ومعايير الصحافة الإلكترونية،ومستقبل الصحافة الإلكترونية.
وفي الفصل الخامس يسلط الضوء على الكتاب الإلكتروني والمكتبة الإلكترونية، ودورهما في عصر المعلومات الرقمية.
وقد حاول المؤلف، من خلال تجربة تزيد على ربع قرن، في مجال النشاط الإعلامي المتنوع،سواء من خلال الكتابة الصحفية، أو العمل الإذاعي والتلفزيوني، فضلاً عن البحث والتدريس الأكاديمي،أن يقدم رؤية عميقة للمشهد الاتصالي والإعلامي،في أبعاده المختلفة، ويسعى إلى تقديم إجابة علمية، على تلك التساؤلات والتحديات ، التي يفرضها العصر الرقمي وتقنياته المتنوعة.
ويمكن أن يكون هذا الكتاب مثاراً للحوار الثقافي والتفاعل الفكري بين المتخصصين في ميدان الإعلام والمعلومات، مثلما يسعى إلى تغطية بعض مفردات المنهج الدراسي لطلبة كليات وأقسام الإعلام والاتصال والمكتبات في الجامعات العربية،ومن ثم فإنه يمثل خلاصة جهد علمي، وتصور فكري مستقبلي.
د. محمد جاسم فلحي
العنوان:الجماهيرية العربية الليبية ـ البيضاء
جامعة عمر المختارـ كلية الآداب ص ب 919
Mfalhy2002@yahoo.com


الفصل الأول
الفضاء الإلكتروني والتحديات الجديدة
ELECTRONIC SPACE & NEW CHALANGES


يتعامل الجيل الذي نعيش وسطه، مع أدوات ووسائل وأساليب فريدة ومثيرة في مجال تداول المعلومات وإنتاجها،كانت قبل بضعة عقود، تُعدُّ نوعاً من الخيال أو السحر، حيث تقلص الزمن وتراجعت المسافات إلى الصفر،وأصبحنا نتواصل بسرعة الضوء، وراح العالم الجديد يتحدث الكترونياً عبر رقمين فقط هما(0) و(1) الذين تقوم عليهما التقنية الرقمية،كما أضحت شرائح السليكون تتضاءل حجماً وتزداد سعة، في الوقت نفسه،ومن العجيب أن هذه الشرائح، التي تعد أساس تقنية الحاسوب، تُصنّع من أرخص وأوفر مادة على سطح الأرض وهي الرمل!..أليست هذه دلائل على أن القدرة الإلهية التي خلقت الإنسان في أحسن تقويم، ومنحته هبة العقل المفكر،تضعنا اليوم أمام امتحان عسير حول كيفية التعامل مع هذه الظواهر الخارقة،وسبل توظيفها في خدمة البشرية.
التحديات التي نواجهها إذاً،في ظل وفرة المعلومات الرقمية وتنوعها، ليس أمامنا إلا التعامل مع وقائعها و معطياتها،و ربما علينا، قبل ذلك أن نتخلى عن بعض فرضياتنا الخاطئة و عاداتنا البائسة، و تقبل الواقع الجديد بعقلية منفتحة،والنظر إلى المستقبل ، واستشراف آفاقه الواسعة، على الرغم من الحواجز والعوائق المحبطة.
ولعلنا نبدأ من تلك الحواجز بالذات، لكي نعرف مدى الطريق الذي يتعين علينا التوغل في مسالكه .. نقول إن الكثير من تلك الحواجز قد تداعت إن لم تكن قد سقطت فعلا وليس قولا، منذ أن استطاعت تقنيات الاتصال الرقمية اختراق الزمان والمكان، ومن ثم بات من الواضح إن جدران التاريخ والجغرافيا في طريقهما إلي الانهيار .
التاريخ كما درسناه، يعود منشأه إلى تلك الحقبة التي استطاع فيها أجدادنا وجداتنا الأوائل إمساك القلم وتدوين الأفكار والأحداث، من أجل التواصل مع الآخرين، عبر الزمن والمسافة، ليجد الإنسان ذاته من خلال الجماعة بالمشاركة في الحوار والفعل، وليس مصادفة أن يقسم الباري عز وجل بنون الجمع وبالقلم ((ن والقلم وما يسطرون)) بيد أن تلك الألواح الطينية والجلود والأوراق لم تنقل إلينا سوى أخبار الحروب والكوارث والحكام الطغاة، وتجاهلت، بقصد أو بدون قصد، صانعي التاريخ الحقيقيين،وهم(الجماهير)،وكانت كتب التاريخ تروي لنا الوقائع الدموية والصراع، بدلا من أنواع التفاهم والمشاركة والتواصل التي تمثل أساس الوجود الإنساني وغايته الإلهية السامية. والأخطر من ذلك كله، أننا وجدنا أنفسنا محاصرين بمسلمات تاريخية، اعتبرها الكثيرون محرمات أو مقدسات لا يتجرأ أحد على مناقشتها، فكيف يمكن لأحد من ثم، أن يفندها أو يغيرها ؟.. التاريخ، بهذا المعنى، بات مع الأسف،نوعاً من القيد على التفكير الحر السليم، و ما أكثر الصراعات التي كلفت البشرية خسائر مرعبة في الأرواح و الطاقات و الثروات، و كانت تستند إلي حجج ( تاريخية ) واهية!
علينا ابتداء أن نتخلى عن النظرة المتعصبة إلى التاريخ، و أن نبحث عما يقرب بين الشعوب ولا يفرقها، وهذا يقتضي نوعا من التسامح على صعيد العرق والدين والمذهب والبلد والقبيلة، فقد خلقنا الله تعالى شعوباً وقبائل لنتعارف ونتواصل، لا لنتحارب ونتصارع..وعلى ذلك ينبغي أن نقرأ التاريخ من زاوية الإنجازات الحضارية التي أصبحت أرثاً و ملكا للبشرية كلها،وأن نعيد قراءة وقائع الصراع من أجل تجنب الوقوع في تلك الدوامة مرة بعد أخرى.
وفي السياق ذاته،وقفت حواجز المكان والجغرافيا تتحدى نزعة الإنسان التواقة إلى الحرية والانفتاح والتشارك والتعاون، فأصبحت الخرائط والحدود الطبيعية والتضاريس والبحار، أساساً لرسم حدود سياسية وظهور دول وكيانات هي أقرب إلى السجون منها إلى الأوطان، وبات السفر والانتقال والهجرة تخضع لقيود، هدفها تكبيل حرية الإنسان وحرمانه من تلك الهبة الربانية الكريمة التي لا تقدر بثمن!..لا يمكن بالطبع إلغاء الأوطان، فحاجة الإنسان إلي وطن يحميه مثل حاجته إلي بيت يأويه، ولكن هل يمكن العيش في بيت مغلق ؟..ومن ثم في وطن محاصر!؟
واليوم هل بدأنا نرى سقوط حواجز التاريخ والجغرافيا ؟..لقد بات من الواجب أن ندرك أن الحقيقة الوحيدة الباقية هي حرية الجماهير التي لا بد أن تجرف في طريقها كل الحدود والقيود.
رغبة الإنسان الأزلية، منذ ميزه الخالق تعالى بهبة العقل الحر المفكر،هي البحث عن الحقيقة، وهذه الحقيقة الموجودة من حولنا، في كل زمان ومكان، لا يمكن الوصول إليها وإدراكها إلا من خلال (المعلومات) التي ينبغي جمعها وربطها واسترجاعها وتحليلها وبثها، عبر وسائل وتقنيات متعددة، لإشباع تلك الحاجة التي استطاع البشر من خلالها معرفة أسرار الكون والطبيعة والتحكم في بعض جوانبهما، من أجل استمرار الحياة وتطورها، وفي سبيل ذلك، فإن جهد الإنسان وسعيه لا يتوقف لابتكار واختراع الأدوات والوسائل التي تساعده في الوصول إلى أهدافه، حتى لو كان بعضها يبدو بعيد المنال، إن لم نقل مستحيلا،وقد فتح الخالق سبحانه أمامنا هذا الطريق بقوله :((يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ))، والى ذلك يمكن القول إن حاجة الإنسان إلى المعلومات لا تقل أهمية عن حاجته إلى الهواء والماء والغذاء، بل ربما تتقدم على هذه أحياناً !
من عصر التدوين إلى عصر الورق و الطباعة، إلى عصر البث الإذاعي المسموع ثم المرئي،إلى عصر النشر الإلكتروني و الوسائط المتعددة، مرت البشرية بقفزات وتحولات تاريخية تغيرت فيها موازين النفوذ والقوة والثروة، حتى وصلنا اليوم إلى عصر المعلومات الذي تقاس فيه مكانة الأمم والشعوب من خلال مقدار ما تنتجه وتبثه وتستهلكه من معلومات، وما تمتلكه من مؤسسات وأدوات لاستخدام المعلومات التي تعد المورد الوحيد غير الناضب. !..ويمكن أن نتمعن في بعض جوانب المشهد الرقمي الاتصالي الجديد، فيما يأتي:


ألمبحث الأول:العلاقات الجديدة بين المرسل والمتلقي

فرضت التطورات المذهلة في تقنيات الاتصالات الرقمية الإلكترونية،خلال العقدين الأخيرين،تغييرات عديدة في عناصر العملية الاتصالية، التي تشمل ( المرسل، والرسالة،والوسيلة،والمتلقي،ورد الفعل)،حيث يلخص الباحث الكندي المعروف ( مارشال ماكلوهان) نظريته الإعلامية بعبارة واحدة :( الوسيلة هي الرسالة)..أي أن اختراع أية وسيلة اتصالية لا بد أن يفرض تغييرا في طبيعة المضمون (أو المعنى) الذي تقوم تلك الوسيلة بإيصاله إلى المتلقي، ومن ثم تكون التأثيرات وردود الأفعال مختلفة أيضاً.
يمكن أن نلمس هذه الحقيقة بوضوح، في ظل المنافسة الشديدة بين المطبوع والمسموع والمرئي،وازدحام المشهد الاتصالي بأدوات ووسائل جديدة ومتنوعة تخاطب حواس الإنسان ومدركاته العقلية، عبر ما يسمى (الوسائط المتعددةMulti-media)،التي تفرض أنماطاً من الانفعال والاستيعاب والسلوكيات والاستجابات المتباينة.(1)
إن قصة التطور التاريخي البشري،كما يفسرها بعض الباحثين،هي قصة تطور عملية الاتصال، التي يمكن تقسيمها إلى خمس مراحل هي:الكلام، والكتابة، والطباعة، والإذاعة(المسموعة والمرئية) وأخيراً شبكة المعلومات العالمية (الإنترنيت)، وقد ظلت البشرية تسير بخطوات بطيئة، من عصر إلى عصر، ومن وسيلة إلى وسيلة، حتى بدأت ملامح عصر الاتصال الإلكتروني، قبل نحو قرن واحد، وما زلنا نعيش ثوراته التقنية حتى اليوم، ولعل من أبرز سمات هذا العصر انفجار المعرفة وطوفان المعلومات، وتسارع المخترعات والإنجازات العلمية، حيث بات من الممكن القول أن القرن الأخير قد تجاوز في منجزاته، كل ما أبدعته البشرية طوال ستين قرناً أو أكثر!

1 ـ هل انتهى عصر المطبوع؟!

ظل الكتاب ( المخطوط ثم المطبوع)، منذ اختراع الكتابة،قبل نحو ستة آلاف سنة، يمثل الوعاء الأكثر أهمية في اختزان ونقل المعرفة،وكان القلم الأداة الأكثر استخداماً في كتابة وتدوين وتوثيق المعلومات، من أجل استخدامها وتداولها وتناقلها، من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى آخر، حتى يمكن القول أن الحضارة البشرية وليدة العقل المفكر وصنيعة القلم والكتاب..الحضارة حصيلة التفكير، والقلم وسيلة التسطير،والكتاب خزانة الفكر والعلم والإبداع الإنساني، ومن ثم فأن الأجيال السابقة من البشر، نشأت في ظل سطوة الكتاب المقروء، وظلت قراءة الحروف، طوال قرون،من أكثر العادات، استمراراً وتأثيراً، في عقل الإنسان،لكن جيلنا الحاضر، جيل القلق والتغييرات الهائلة، يقف اليوم عند مفترق الطرق حائراً، بين عادات سابقة متأصلة، وبين متطلبات عصر جديد، في أدواته وتقنياته، وليس ثمة هامش واسع أمامنا للاختيار، سوى الانحياز دون تردد، إلى متطلبات هذا العصر،ومن بينها، إن لم تكن في مقدمتها، تقنيات الاتصال الإلكتروني، وبخاصة الحاسوب( الكومبيوتر) وشبكات المعلومات.
ولكن هل يصح القول أن زمن الكتاب الورقي قد أوشك على الانتهاء.. أو أن لذة القراءة في الأوراق البيض أو الصفر تكاد تختفي،وبخاصة في ظل التطورات المتسارعة في تقنيات المعلومات ونظم الخزن الالكترونية، حتى عاد قرص ليزري ضئيل بحجم اليد أو اصغر يحمل العشرات، بل المئات من المجلدات، التي كان القارئ فيما مضى يبذل الكثير من جهده وماله في سبيل الحصول عليها، وينفق عشرات السنوات من أجل الوصول إليها،وقد أصبح القارئ اليوم، بفضل هذه التقنية، قادراً على الدخول إلى اكبر مكتبات العالم دون استئذان، وهو جالس في غرفته، ويستطيع التجول في آفاق المعرفة العالمية التي تتضمنها هذه المكتبات.
هل يعني ذلك نهاية عصر الكتاب المطبوع وزوال زمن الورّاقين، وحكاياتهم التي أخذت حيزا متألقا في التراث العربي من خلال نوادر أخبارهم وحكاياتهم الطريفة؟..هل ستختفي معارض الكتب السنوية وأعيادها الموسمية، التي ينتظرها القراء والباحثون كل عام؟
إن واقع الحال يشير إلى ازدهار تجارة( الكتاب الورقي ) وتصاعد أرقام مبيعاته، وازدحام أسواق الكتب، ووجود الملايين من عشاق الكتاب الذين ما يزالون يبحثون عن( لذائذ المعرفة) في طيات الأوراق التي يشم فيها القارئ الباحث عبق الأزمان وعطر التاريخ المتخفي بين أوراق كتاب مطبوع بحروف حجرية أو رصاصية أو مخطوط بمداد الأجداد وأقلامهم ومحفوظ بجلود الحيوانات.
وما زالت المكتبة تشكل لدى شريحة القراء المثقفين فضاءً معماريا جماليا يزيّن غرفة الجلوس، حيث يتباهى الكثيرون بمقتنياتهم الفريدة من الكتب ويعرضونها بزهو لضيوفهم.. وهم لا يعرضون مضمون هذه الكتب فحسب، بل يفخرون بتاريخها وارتباطها بذاكرتهم، التي قد تكون مقترنة بواقعة حياتية متميزة أو صديق أو معلم أو مؤلف قديم. ولعل من المناسب هنا أن نذكر أن واقعة( الكتاب الأول ) التي تكون عادة قصة للأطفال أو مجلة فنية أو رواية بوليسية مشوقة.. تظل عالقة في ذاكرة القارئ، حتى بعد أن يبلغ أعلى درجات الوعي، وربما يمتلك موهبة الإنتاج ألتأليفي.
لا ريب أن القلم والكتاب ينتميان لمراحل تاريخية وحضارة سابقة، بيد أنهما لا يواجهان حاليا خطر الانقراض الفوري، كالديناصورات، بل ربما يتاح لهما التعايش، جنباً إلى جنب، مع المذياع والتلفاز والحاسوب،لعدة أجيال قادمة،فقد أثبت تاريخ وسائل الاتصال،أن هذه الوسائل لا تلغي بعضها بعضا، بل تتنافس وتتسابق في ميدان سيظل مفتوحاً، فظهور المجلة والصحيفة لم يقتل الكتاب، واختراع المذياع المسموع لم يسحق الكتاب المطبوع، كما أن التلفاز لم يدمر المذياع أو يحرق الكتاب، وعندما جاءت شبكة (الإنترنيت ) احتضنت كل هذه الوسائل،التي اندمجت في شاشة الحاسوب، وفي الوقت نفسه استطاعت كل وسيلة أن تحتفظ بمضمار خاص، وأن تؤثر وتعيش، في ميدان السباق الواسع!


2 ـ ولادة جيل إلكتروني!
لقد نشأت أجيال عديدة في ظل القرطاس والقلم، وليس من السهولة أن يلغي الإنسان عاداته القديمة ويتحول فجأة إلى غيرها، وقد كانت مهارة القراءة والكتابة، قبل عقود قليلة من الزمن، محصورة بين فئات قليلة في المجتمع، بيد أن انتشار التعليم وتطور فنون وتقنيات الطباعة والنشر جعل غالبية البشر يخرجون من ظلمات الجهل والأمية ويتعاملون مع المطبوعات ويستخدمونها على نطاق واسع، واليوم تواجه هذه العادة الاجتماعية الراقية منافسة من جانب الوسائل الإلكترونية، فقد بات على المؤلفين( المرسلين) و القراء( المتلقين)، على حد سواء، تعلم مهارات جديدة ومعقدة تتيح لهم استخدام الحاسوب وشبكات المعلومات وتقنيات الاتصال المتطورة.
أصبح مفروضاً على المؤلف أن يتدرب على الجلوس أمام الشاشة بدلاً من الورقة البيضاء، حيث راحت أغلب دور النشر ترفض استلام المخطوطات المكتوبة بالقلم و تشترط على المؤلفين تقديم نسخ مطبوعة من البحوث والكتب، إلى جانب نسخ إلكترونية على قرص مرن Floppy Disk)) أو قرص ليزري مدمجCD.. كما أن مهنة التأليف والإنتاج العلمي والثقافي أضحت تقتضي القدرة على الوصول إلى المعلومات الإلكترونية، واستخدام الحاسوب في جمعها وصياغتها ومعالجتها وتنظيمها، بسرعة وسهولة، فضلاً عن الطريقة القديمة وهي البحث في رفوف المكتبات عن كتاب أو مجلة.. التأليف موهبة عقلية نادرة، بيد أن الموهبة وحدها لم تعد تكفي من دون تعزيزها بالمهارات والأدوات الجديدة.
صياغة الرسالة أو المحتوى،خضعت لتغييرات جوهرية أيضاً،فالوسائط المتعددة( المطبوع +المسموع+المرئي) اندمجت في شاشة الحاسوب،حيث يمكن مطالعة رواية أو قصيدة، من خلال قراءة النص والاستماع إلى الصوت ومشاهدة الصور والأشرطة التي تعبر عن مضمون النص الأصلي، في آن معاً..وتغيرت طريقة مطالعة النص من خلال (الارتباط ألتشعبي) مع نصوص ومواقع أخرى على شبكة الإنترنيت،كما تغير مفهوم الكتاب والمجلة والصحيفة، وقد كانت من قبل تُطبع على الورق فقط، فأصبحت اليوم تصدر منها نسخ إلكترونية على شبكة المعلومات العالمية، فضلاً عن مواقع المكتبات ودور النشر والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الأخرى،وقد أتاحت هذه الإمكانيات الهائلة نشر العلوم والمعرفة بدون قيود، وزالت الصبغة المحلية عن الإبداع الفكري، وبات من السهل مطالعة مقال منشور في احد المواقع الإلكترونية، من قبل القراء، في جميع أنحاء العالم، أو الحصول على مئات الكتب الإلكترونية(e-book) المجانية المنشورة على شبكة الإنترنيت وتنزيلها في الحاسوب الشخصي.

3 ـ اتجاهات متوقعة
لعل من أبرز مظاهر العصر الاتصالي الجديد سقوط الحواجز والحدود الجغرافية والسياسية،أمام تدفق المعلومات وغياب الرقابة على الفكر والتفكير، فضلاً عن التداخل بين الاتصال الشخصي والاتصال الجماهيري، فالبريد الإلكتروني والهاتف النقال يوفران الاتصال السريع بين الأشخاص، ويمكن أن يستخدما أيضاً في توجيه رسائل لجمهور واسع، في حين تزخر شبكة المعلومات بمواقع موجهة إلى الجمهور العام، مثل الصحف الالكترونية ومحطات الإذاعة المسموعة والمرئية والأشرطة السينمائية وغيرها، وتفترض الاتجاهات الحالية والمستقبلية في تطور وسائل الاتصال، نمو واحد أو أكثر من التصورات المتوقعة التالية:
أ ـ تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال، من خلال ظهور خدمات إعلامية جديدة، توجه رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفردية، وتتلاءم مع رغبات فئات محددة من الجمهور.
ب ـ الميل نحو الهيمنة والاندماج وتشكيل ( إمبراطوريات إعلامية) وشركات ضخمة، ذات ملكية مشتركة ومتعددة الجنسية، لأن الإعلام بات يمثل نوعاً من الصناعة، التي تحتاج إلى الأجهزة والخبرات، ومحاولة كسب الأرباح والقضاء على الشركات المنافسة.
ج ـ التوافق بين التقنية القديمة والحديثة، وسد النقص في التقنيات القديمة،لكي تصبح صالحة للاستعمال في ظل التطورات السريعة، أي أن المتلقي يستطيع الاحتفاظ بجهاز الهاتف السلكي والتلفاز الاعتيادي،إلى جانب الحاسوب الذي يمكن أن يستقبل ويرسل المعلومات بأنواعها المتعددة.
د ـ التفاعل بين المرسل والمتلقي، حيث لم تعد عملية الاتصال تسير في اتجاه واحد،بل تجري عبر المشاركة في صياغة الرسالة الإعلامية، وقد يصبح المتلقي مرسلاً وصانعاً للنص والمضمون،وذلك عن طريق التحكم في اختيار المادة الإعلامية ونشرها، وإبداء الرأي المباشر والتعليق على الأخبار والحوارات والبرامج الأخرى.(2)
من جانب آخر، لقد تغيرت طبيعة القراء وعاداتهم،أو أنها سوف تتغير حتماً عندما يصبح استخدام الحاسوب متوفراً ورخيصاً، مثل الورقة والقلم،ولسوف ينشأ جيل من المتلقين الذين من النادر أن تتاح لهم فرصة الكتابة بالقلم، أو اقتناء كتاب أو صحيفة،ما دامت برامج الحاسوب سوف تغنيهم عن الكتابة من خلال إملاء الكلام صوتيا على الحاسوب ليقوم بطباعته فوراًً، وما دامت المعلومات والأخبار يمكن أن تتدفق على الشاشة، عبر لمسة على زر صغير!


المبحث الثاني: الإعلام الصوري..وسقوط الحواجز بين الحقيقة والخيال
ما حقيقة ومستقبل المشهد الإعلامي والثقافي الجديد،الذي تهيمن عليه الصور، في حين يتراجع دور اللغة المنطوقة والمكتوبة،في وسائل الاتصال الإلكترونية،بعد أن ظلت تلك اللغة المحكية وسيلة التعبير والتفكير والإبداع البشري، طوال قرون مضت؟!.
لم يكن استخدام الصورة جديداً، فقد استخدمها الإنسان، منذ نحو سبعة آلاف سنة، في التدوين والتوثيق الذي سبق ابتكار الحرف، حيث ما تزال تحتفظ جدران المعابد القديمة والقصور والقبور بلوحات مصورة فائقة الإبداع والإيحاء،لا بد أن الفنان الذي رسمها كان يمتلك موهبة المزج بين الخيال والواقع،في تجسيد أفكاره.
وقد ظلت اللوحة المرسومة وسيلة التعبير الفني،التي تنافس الإبداع الأدبي(الشعري والقصصي) في مضمار الثقافة،والذوق الرفيع،حتى اختراع آلة التصوير الفوتوغرافي، قبل نحو قرن ونصف، فقد استطاعت (الكاميرا)أن تلتقط لحظة من الزمن وتجمدها، على شكل صورة تبدو واقعية، بيد أنها لم تكن حقيقية أبداً،لأنها تنتمي إلى الماضي فور تصويرها، كما هي الحال في اللوحة المرسومة،وكلتاهما تحملان معنى الذكرى، ومحاولة العودة إلى الزمن السابق. وعلى العموم فقد شهد التعبير التصويري قفزات ومحطات،لعل من أهمها:

1ـ السينما والملحمة الصورية
بدأ عصر( السينما) في مطلع القرن العشرين،من خلال تحريك الصور، بطريقة تتابعية،لمحاكاة الحركة الحقيقية، في الحياة الطبيعية،ثم أضيف الصوت البشري والموسيقى والمؤثرات الصوتية والألوان والخدع البصرية،من أجل صنع ملحمة(درامية) صورية وصوتية، تخترق حواس الإنسان،وتتفاعل مع عمليات التفكير، بلغة جديدة لم تكن معروفة من قبل، فقد أخذت(السينما) الكثير من جماليات فنون الشعر والقصة والمسرح والرسم والتصوير والموسيقى، وأصبحت امتداداً لتلك الفنون، ولهذا سميت ب( الفن السابع)، وقدمت خلطة سحرية خيالية لمخاطبة المشاعر والغرائز البشرية، ولم تكن معنية، في الأغلب، بالمنطق العقلي،أو الواقع الحقيقي، لأنها اعتمدت الصورة المتخيلة، لكنها من حيث التأثير،استطاعت أن تهيمن على عقول الكثيرين، الذين لم يستطيعوا الهرب من سحرها الأخاذ،حتى يمكن القول أن جيل آبائنا كان ينتمي إلى عالم( السينما)،ويعيش في إطاره، يحلم في يقظته في ظلام القاعة السينمائية،ثم يصطدم بواقعه المرير على قارعة الطريق!..في حين كانت أجيال من أجدادنا قد تعايشت وسط ثقافة الموقد الخشبي، في ليالي الشتاء الطويلة، والسهر في أحضان الحكايات الأسطورية،التي تمتد جذورها إلى ألف ليلة وليلة، أو أبعد من ذلك بكثير!
في عصر ( السينما) شهدت المجتمعات ظواهر عديدة وغريبة، مثل ظهور (نجوم) التمثيل،الذين يشكلون فئة اجتماعية تتمتع بمزايا الشهرة والثروة والجاذبية،كما انتشرت(دور السينما) في المدن،وفرضت مكانتها، باعتبارها مؤسسات ثقافية معترف بأهميتها، إلى جانب المسارح ودور العبادة والمؤسسات التعليمية، ثم برز المجتمع الاستهلاكي الذي يتماهى، مع مضامين الإعلان التجاري، والحياة المترفة الوهمية، التي تقدمها( الأفلام السينمائية)!..ولا نريد الخوض في مضامين تلك (الأفلام) التي استهدفت الكثير من القيم الاجتماعية والدينية الراسخة،وروجت مشاهد الجنس والرقص والمخدرات والعنف، مما يشكل، في رأي الكثيرين، مفسدة لمجتمعات عدة!

2 ـ الصورة التلفازية الحية
تمثل الإذاعة المسموعة بداية العصر الإلكتروني،فقد نُقل الصوت، لأول مرة، بسرعة الضوء، من خلال الموجات الكهرومغناطيسية، إلى مسافات بعيدة،وكان النصف الأول من القرن الماضي، يمثل حقبة(الراديو) الذي ينقل الأخبار، في لحظة وقوعها،ويقدم خريطة واسعة من البرامج السياسية والثقافية والدينية،كما تم توظيف الإذاعة المسموعة في حملات الدعاية والحرب النفسية،وبخاصة في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة،ولعل تجربة(إذاعة صوت العرب)، في عهد عبد الناصر،أوضح مثال على الدور السياسي الذي لعبته الإذاعة المسموعة،في المنطقة العربية، قبل انتشار(التلفاز)،الذي اندمجت فيه الصورة المتحركة مع الصوت، وبدأ ما يسمى ب ( عصر الصورة الحية).
اليوم يزدحم الفضاء بموجات المحطات التلفازية،التي تُنَقل عبر الأقمار الاصطناعية،وتخترق الحواجز والحدود والقيود،فتصل مباشرة إلى غرفة الجلوس، في كل بيت،وقد أضحى التلفاز الوسيلة الجماهيرية الشائعة في تداول المعلومات والأخبار، فضلاً عن كونه أداة ترفيه منزلية، لا يمكن الاستغناء عنه،ويعتمد كلياً على فنون الصورة الناطقة.
ويمكن القول أننا نعيش مع ظاهرة غريبة جداً،فالتلفاز قادر على الهيمنة على الصور المستقاة شخصياً ـ من الكتب والخيال ـ وهو قادر أيضاً، ولو لفترة من الوقت،على بث الاضطراب بين التجربة الحقيقية والتجربة التلفازية،فإذا دخلت الصور في فكر الإنسان وخزنت في ذاكرته، فإنها جميعاً تكون متيسرة، وقد تكون( حقيقية) بمجرد دخولها إلى العقل، حيث تصبح كلها صوراً،كامنة في الذاكرة،وتصبح كلها حقيقية، وغير حقيقية، على حد سواء،وفي هذا الصدد يوضح الباحث الإعلامي جيري ماندر:" إن عمليات تفكيرنا لا يسعها أن تنقذنا، فعند تفكيرنا، ونحن نشاهد التلفاز، فإن الصور تمرُّ، على أية حال،وتدخل أدمغتنا وتبقى فيها بقاءاً دائماً ولا نستطيع أن نعرف يقيناً أية صور تنتمي لتجربتنا الشخصية، وأية صور جاءت من أماكن بعيدة، لقد اختلط الخيال بالواقع وفقدنا السيطرة على صورنا)).(3)
يمكن أن نطلق على هذه العملية( خلق الواقع التلفازي) المصنوع بدلاً من الواقع الحقيقي، الذي يمكن إدراكه من قبل الإنسان، بحواسه مباشرة،وإن هذه القدرة على التمويه، أو على تقديم الأشياء عن قرب،أو عن بعد، تحول دون الموضوعية، فالحيز الذي تعكسه الشاشة الصغيرة،تقوم (الكاميرا) بتجزئته أو تشويهه أو إبرازه بطريقة متحيزة،ونجد العيب نفسه فيما يتعلق بزمن الحدث الذي يستغرق فترة طويلة، فالتلفاز لا يحتفظ إلا بلحظات ينتقيها، ويقوم بربطها، بعد ذلك،كيفما يريد،ومن ثم فإن التقرير التلفازي ليس إلا منتخباً من واقع الحدث، لا الحدث كله، ويرى بعض المتخصصين أن تقطيع الشريط التلفازي وتركيبه( عملية المونتاج) التي تجعل الواقع أكثر جاذبية، تؤدي ، بلا شك، إلى تشويهه.
وعلى الرغم من أن النقل التلفازي المباشر( الحي) للأحداث، في لحظة وقوعها، قد أضفى على التلفاز ( مصداقية) لا يمكن أن تنافسه فيها وسائل الإعلام الأخرى،بيد أن الحقيقة لا يمكن أن توجد دائماً في كل ما نشاهده عبر الشاشة الصغيرة!

3 ـ الخيال والواقع.. بلا حدود!
إن المواد التلفزيونية يمكن ترتيبها على طول محور، يبدأ بالبرامج الواقعية، وينتهي بالبرامج الخيالية،وبين طرفيه تتوزع أنواع أخرى من البرامج الصورية،وأن الأثر المترتب على صفة الاستمرارية، في عرض تلك البرامج،من أجل الترفيه، هو (الخلط) بين هذه الأنواع المختلفة من الصور، فقد يأتي مشهد من الحرب فيه جنود حقيقيون، يموتون فعلاً، قبل أو بعد،مشهد من تمثيلية، يقوم فيه ممثلون بأداء مسرحية تصور الحرب، وقد يعرض برنامج يحاول فيه احد رجال السياسة أن يثير مشكلات حقيقية، لكي يصدر عليها الناس أحكامهم، قبل أو بعد، برنامج آخر يقوم فيه أحد الممثلين الهزليين باستغلال مواهبه الفنية للترفيه عن المشاهدين.. والمهم في ذلك كله،أن الجمهور، ينظر إلى التلفاز على أنه أساساً وسيلة للترفيه،ويترتب على ذلك حتماً اختلاط العناصر الحقيقية بالعناصر المصطنعة، ولو على المستوى اللاشعوري، أما النتيجة الخطيرة فهي التداخل، بين هذا وذاك،ومن ثم يصبح التقدير النهائي لمستوى جودة البرامج،أو رداءتها،قائماً على أساس القيم الترفيهية، وهكذا فانه غالباً ما يحدث الخلط اللاشعوري،فينظر إلى الجنود الحقيقيين الذين يموتون في الحرب على أنهم اقل أو أكثر إثارة أو إقناعاً أو ترفيهاً من الممثلين الذين يقومون بأدوارهم في تمثيلية عن الحرب، كما يحكم المشاهدون على أداء المفكر السياسي، من خلال مقارنته بأداء الممثل الهزلي، ويصدر الحكم في ضوء قيمة الترفيه والتسلية فقط!
بهذه الطريقة أصبح التلفاز يلعب دوراً واضحاً في تكوين ( الصورة الذهنية) عن الأفراد والدول والمواقف والأحداث، بل يمكن القول انه بات يؤثر ويتحكم في عمليات الإدراك والتفكير والسلوك الإنساني.
ولعل عملية المزج بين الواقع والخيال والتلاعب بالصور، تبدو أكثر تعقيداً، في ظل التقنيات الإلكترونية، واستخدام الحاسوب في إنتاج الصور التلفازية،وتصنيع الواقع الافتراضي،حتى أصبحت الحقيقة الصورية مسألة نسبية، وليست مؤكدة،ولم يعد مستغرباً الشعور باللاحقيقة حيال أحداث حقيقية أو بالعكس،وسوف تسمح تقنيات التمثيل وتصنيع الصور أن نضع في المشهد، لغايات دعائية، أحداثاً ملفقة، يتفاعل معها الناس،ويعتبرونها أحداثاً حقيقية تماماً!(4)

4 ـ أطفال ( الفيديو كليب)!
هيمنة الصورة على الماكنة الإعلامية،جعلت العالم الذي نعيش فيه يتغير بسرعة فائقة،وليست ثقافة الصورة سيئة دائماً،إذ لا بد من الاعتراف أن الخطاب الإعلامي التصويري يقدم وجبة لذيذة وجذابة من المواد السياسية والثقافية والعلمية،وهو خطاب أكثر انتشاراً وتأثيراً في الجمهور،من وسائل النشر المطبوعة،وبخاصة في أوساط الأميين وأنصاف المتعلمين، الذين أصبحوا مستهلكين لثقافة التلفاز من خلال الفرجة والتسلية الممزوجة بالتعلم والتذوق،وإلى ذلك لا بد من التوضيح أن الوسائل الصورية ليست رديئة،في حد ذاتها،فهي مجرد وعاء جميل،وان الخطورة تأتي من مضمون المادة التي توضع في ذلك الوعاء، وتقدم للمستهلكين،أي أن الصورة سلاح ذو حدين، وعندما تنقلب وتتشوه تصبح رديئة وضارّة، فهناك محطات تلفازية حريصة على تقديم برامج فكرية وثقافية ودينية وعلمية جادّة، في حين،تهبط محطات أخرى إلى مستوى خطير من الخلاعة والإباحية، ويبدو أن براءة الطفولة أكثر حساسية وتأثراً بهذا النوع من الغزو الصوري،فقد تزعزع دور العائلة والمدرسة، أمام السيل المتدفق من برامج الكارتون والمسابقات والمسلسلات والأغاني الهابطة والرديئة والملوثة، وما دامت غرائب العلم قد أتاحت إنتاج أطفال الأنابيب والاستنساخ، فليس من الغريب أن نشهد ظاهرة أطفال( الفيديو كليب) الذين سوف يصبحون بعد سنوات رجال ونساء( روتانا كليب)!


مصادر الفصل الأول


1-Arnie Habrams,Allyn and Bacon:Multimedia Magic,London,1996
2- د. حسن عماد مكاوي: تكنولوجيا الاتصال الحديثة في عصر المعلومات، ط1،القاهرة، الدار المصرية اللبنانية،1996،ص270- 276
3- جيري ماندر:استبدال الصور البشرية بواسطة التلفزيون،ترجمة كاظم سعد الدين، مجلة( الثقافة الأجنبية)ن بغداد، العدد4 السنة12،1992، ص147
4- د. محمد فلحي:صناعة العقل في عصر الشاشة،ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع،عمان،2002، ص33- 34

روابط بقية اجزاء الكتاب
رابط الجزء الثاني
رابط الجزء الثالث
رابط الجزء الرابع
رابط الجزء الخامس والأخير