ضوء على المحاور التفاعلية في جامعات التعليم الأليكتروني.. الدكتور حسن المحمداوي
الجمعة 21 نوفمبر / تشرين الثاني 2008 14:36:21
أبتداءاً يمكننا القول بأن هدف التربية والتعليم لم يعد على أنه تحصيل للمعرفة، على إعتبار أن المعرفة لم تعد هدفاً في حد ذاته ولكن المهم والأهم هو كيفية تحصيل المعرفة وماهي الوسائل والأساليب التي يمكن أتباعها من أجل الوصول الى المنابع الأصيلة لها وبالتالي توظيفها في تعمير الكون وحل المشكلات الحياتية، وأن من أفضل السبل التي يمكن أعتمادها في الوصول الى المصادر الأصيلة والمتنوعة هو عن طريق التعلم الأليكتروني لما تقدمه من خدمات اليكترونية وتكنولوجية تسهم جميعاً لتحقيق هذا الهدف المعرفي.
أن تربية المستقبل المعول عليها في مؤسسات التعليم الأليكتروني تسعى لإكساب المتعلم أقصى درجة من المرونة في محاكاة النظريات التربوية والتعليمية وتعطيه سرعة التفكير من حيث أنها تهيء له قابلية التنقل ( Mobility) بدون حدود او عوائق، اي التنقل بمعناه الواسع بحيث تجعل الأرض العلمية والمعرفية منطوية تحت قدميه أن صح التعبير، ذلك لإنها تسهل عملية الأتصال المتنوع والمستمر بالرغم من التباعد الجغرافي والمكاني، وبالتالي فأن هذا ينعكس أيجاباً على مسألة التنقل الأجتماعي تحت فعل الحراك الأجتماعي للأفراد والتنقل الفكري لإنفجار المعرفة وسرعة تغير المفاهيم من حيث ان تقنيات التعليم الليكتروني تواكب هذه السرعة وتظهرها بشكل سريع وفعال.

أننا نلمس بان الأسس التربوية للتعليم الأليكتروني تكمن في التصدي للروح السلبية وصفة التزمت والتعصب للرأي وذلك من خلال تنمية عادة التفكير الأيجابي المرن والمنطقي وقبول المخاطرة وتعميق مفهوم المشاركة، حيث لاوجود للقبول بالمسلمات في هذا النوع من التعليم والأقتناع السلبي والذي نلمسه في اساليب التعليم التقليدية وعلى كافة المستويات، بل على العكس من ذلك نرى أن التعليم الأليكتروني يعمل على تشجيع روح البحث والتعامل مع المحتمل والمجهول والأحتفاء بالغموض وعدم الأستسلام لوهم البساطة الظاهرة، بل أنه يستنفر ويستفز الطاقات العقلية والفردية والمعرفية للمتعلم وهذا مما يجعله أكثر دقة وحصانة علمية في الموضوعات التي يتناولها.

أن بيئة التعلم الأليكتروني تعد بمثابة صرخة في وجه الأساليب التقليدية للتعليم ، هذه الأساليب التي تنشئ المتعلم على الخضوع والأستكانة ولاتذكي في ذاته شعلة الأبداع والأصالة والتطور وهي تخلق في حقيقة الأمر من الناحية التربوية والتعليمية جيلاً متصفاً بالآمعه، أو الأنقياد دون التفكر او التمحص وهذا مانلمسه في أجيالنا الحاضرة التي تغذت كثيراً وماتزال تتغذى على هذه المفاهيم أو الأساليب التقليدية التي أكل عليها الدهر وشرب، هذه المفاهيم التي تحمل المتعلم معلومات يحفظها ويتلقنها دون أن يتفاعل معها أو يخضعها للواقع العملي وأنما يحملها كي يسكبها على الورق ويتخلص منها أملاً في النجاح وأجتياز المراحل الدراسية، ورحم الله الشاعر الذي يقول:

أن الرواة بلا فهم لما حفظـــوا مثل الجمال عليها يحمل الودعُ (*)
لا الودعُ ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الــودع تنتفــعُ

أن النظرة المتخوفة للتعليم الأليكتروني والتي كثيراً مانشعر بها ونلاحظها من خلال ماتبثه مؤسساتنا العلمية والتربوية في البلاد العربية أنما هي تتأتى بالأساس من الآدمان على ممارسات أساليب التعليم التقليدي في التربية والتعليم ، حيث تنطلق هذه النظرة من أن التعليم الأليكتروني يلغي الكثير من حالات التفاعل والتفاعلية( Interaction and Interativity)، والتأثر والتأثير بين قطبي العملية التعليمية والتربوية على اعتبار أن التعليم الأليكتروني يخلق بيئة مملة وخالية من التفاعل والحيوية وهذا ما قد يولد الشعور بالعزلة والبعد عن المجتمع الأكاديمي، ولكن هذا الأمر مردود عليه من حيث أن التعليم الأليكتروني يمتلك قدرة هائلة على تقديم تعليم تفاعلي متطور ومحدث مقارنة بطرق التعليم الأخرى.
أن مسألة التفاعل والتفاعلية في التعليم الأليكتروني تمتد لتشمل محاور عدة أكثر مما هو موجود في التعليم التقليدي، وهذا مانلمسه من خلال تفاعل الطلبة مع زملائهم الأخرين الذين يعيشون في بيئات أخرى نائية وقريبة وهذا بحد ذاته يوفر الكثير من تلاقح الخبرات الثقافية والتعليمية لمنتسبي التعليم الأليكتروني كما ولا نغفل تفاعلهم مع أساتذتهم ومع المعلومات المتوفرة سواء عن طريق المناهج المقررة أو ما يحملة الأنترنيت من معلومات معاصرة وحديثة وآنيه ، وهذا مايذهب اليه كل من كاهان و مينولي ( Khan, 1997 ; Minoli, 1996)، حيث يرون بان هذا التفاعل هو ما يميز التعليم الأليكتروني عن جميع الأجيال السابقة من التعليم بشكل عام.

ويشير كل من شنيدر و جيرمان ( Schreider & Germann, 1999)، الى أن مسألة التفاعل والتفاعلية في التعليم الأليكتروني قد قفزت الى مستوى عال ليشمل تفاعلاً سريعاً متعدد الأوجه والأتجاهات سواء بين الطلبة واساتذتهم او بين الطلاب بعضهم البعض او التفاعل مع مصادر المعلومات المعرفية الضخمة والمعاصرة المتوفرة في الأنترنيت.
أننا في التعليم الأليكتروني ننطلق من العديد من المحاور التفاعلية والتي تحقق أهداف العملية التربوية والتعليمية، حيث تكمن أهم هذه المحاور في محور تفاعل الطالب مع الأستاذ ، محور تفاعل الطالب مع الطالب، محور تفاعل الطالب مع المنهج الدراسي وأخيراً محور تفاعل الطالب مع تقنيات الأنترنيت وأن مسألة تظافر هذه المحاور وتفاعلها وتفعيلها تعطي أنطباعاً لا لبس فيه بأن محاور عملية التفاعل في التعليم قد تكاملت مع بعضها البعض وصولاً لإعلى مستوياتها.
فعلى صعيد المحور التفاعلي الأول( الطالب ـ الأستاذ)، نلمس بأن الطالب يريد دائماً التحقق من المعلومات التي يكتسبها عن طريق القنوات المعرفية المتعددة والمتعلقة بالأختصاص الذي يدرسه، وبالتالي فهو يطلب فهمها وإدراكها بشكل عميق وبالتالي في كيفية توظيفها للممارسة في الواقع العملي والتطبيقي ومن ثم التوصل الى مردوداتها في الحياة، هذا النوع من التفاعل يشكل في حقيقة الأمر تحدياً كبيراً لعضو الهيئة التدريسية بإعتباره مسؤلاً عن أذكاء التشويق لطلابه بالمشاركة الفعالة والمحافظة على التفاعل بينه وبين الطلبة وبالتالي تحفيزهم لبذل جهود مناسبة للتعلم والأستفادة الى أقصى درجة ممكنة.
ويذهب كل من ميلتيدو ومكأسك ( Miltiadou & McIsaac; 2000)، من أن وجود تقني متخصص يعمل في هذا النوع من التعليم يساعد كثيراً أستاذ المادة على التفاعل مع طلابه بشكل سريع ومناسب ومقبول.
أن بنية التعليم الأليكتروني تسمح بمجال واسع ومتعدد الآوجه لمحور التفاعل الأول ( الطالب ـ الأستاذ)، حيث يكون مثلاً بين طالب واحد وأستاذه من خلال البريد الأليكتروني او التراسل الفوري مثل
( MSN- Messenger) أو من خلال غرف الدرس او المحاورة (Paltalk)، حيث أن بعض هذه الوسائل تعد نوع من الآتصال المتزامن ( Synchronous) والتي تحدث في نفس الوقت بين الطالب والأستاذ وبعضها الآخر تكون غير متزامنه ( Asynchronous)، وبشكل عام فأن هذا المحور التفاعلي الأول يكون متحقق وبشكل أكثر نفع ومخرجاته تكون أكثر عطاءاً بالنسبة لطرفي هذا المحور.
أما فيما يتعلق بالمحور التفاعلي الثاني ( الطالب ـ الطالب)، فأن ماتوفره الإمكانيات الحديثة والمتطورة والهائلة لتقنية الأنترنيت أذكت هذا التفاعل بشكل كبير وملحوظ وأذا سلمنا بأن الطالب هو محور العملية التربوية والتعليمية فأن هذا الأمر يتحقق بهذا النوع من التعليم الأليكتروني، حيث أننا نلمس في هذا الجانب بأن التفاعلات بين الطلبة في المرحلة الدراسية الواحدة أو المراحل المختلفة تكون متواصلة وجاده وتبنى في جو من التلاقح الفكري والثقافي والتربوي ينعكش إيجاباً في صقل سمات شخصية الطالب ومعرفته العلمية بالشكل الذي يماشي أفرازات العقل السليم والمنطق والتقنية العلمية الحديثة، حيث يقول جوناواردينا ( Gunawardena, 1999) في هذا الصدد، بأن التعليم الأليكتروني يخلق بيئة عملية تعليمية ممكنة التحقيق والتي تؤدي الى النقاش البناء والتعليم التعاوني والمشاركة التكاملية في البيئة التعليمية على الرغم من كون هذا النوع من التعليم يحدث في اماكن متباعدة،حيث أنه يوفر من التقنيات التي من شأنها تعزيز نجاح هذا المحور التفاعلي ( الطالب ـ الطالب) وذلك من خلال غرف الدردشة والتي يتم فيها تبادل الرسائل النصية والصوتية في وقت متزامن، ولاننسى ايضاً ماقدمته هذه التقنيات من الآتصال المباشر المرئي ( Viedo Conferencing) والذي يعد أمتياز للتفاعل المتزامن بالصوت والصورة وهذا مما يعطي نوع من الأرتياح والمرونة لقطبي هذا المحور التفاعلي ومما ينعكس عليهم بالأحساس الكبير بالحضور الأجتماعي وبالتالي التفاعل المعرفي والوجداني وهذا ما قد يبعد عنهم الشعور بالعزلة والوحــدة ، حيث توصلت الدراسة التي قام بها كل من جوناواردينا و زيتل
( Gunawardena & Zittle, 1997)، من أن أحساس الطلاب بحضور أجتماعي شبيه بالواقع الحقيقي من خلال هذه التقنية المتطورة من التعليم الأليكتروني كان عاملاً تنبؤياً جيداً لمستوى الرضا التعليمي الذي يطمح اليه الطلاب.
وفيما يتعلق بالمحور التفاعلي الثالث ( الطالب ـ المادة العلمية)، فكلنا يعلم بأن عملية التعلم ترمي الى التغير في السلوك الأنساني بشكل عام والذي يكون نابعاً من التغير في مفاهيم المتعلم وأنطباعاته ومعتقداته وما يؤمن به،هذا التغير في السلوك ربما ينتج عنه تغير في الهيكلية العقلية للمتعلم وهنا يدخل التعليم الأليكتروني كعامل أساسي في تعزيز هذا التغير السلوكي لانه يعمل على تنسيق وبرمجة وتنظيم الأرتباطات التشعبية بشكل منطقي مما يمكن المتعلم من التحكم في انسيابية المعلومات والمواد العلمية حسب مراحلها المناسبة، حيث ان هناك من المواد العلمــية مايناسب عرضها بصورة خطية ( Linear )
أو قد يناسبها العرض التفرعي ( Branching)، ويذهب بوكس ( Box,1999) الى ان الأرتباطات بمواقع علمية مناسبة على الأنترنيت تعزز من المادة العلمية وترفع قدرة الطالب البحثية.
أن شمولية هذه الوسائط المتعددة في الأنترنيت من نصوص وصور ثابتة ومتحركة وفلاشات وأصوات مهد لها لان تلعب دوراً مهماً وكبيراً في رفع مستوى هذا النوع من التفاعل وبالتالي فهي تعطي للمتعلم تحكماً أكبر وفهماً أعمق للمادة العلمية، لانه من المعروف أنه كلما أشرك المتعلم اكثر من حاسه في طلب المعرفة كلما ترسخت لديه هذه المعرفة بشكل مثمر وايجابي، بالاضافة الى ذلك فأن استقبال المتعلم لهذه المعلومات وباشكالها المختلفة( النصية، الصوتية والصورية)، سيكون له اكبر الأثر في مراعاة الفروق الفردية للمتعلمين مما ينعكس ايجاباً على زيادة مستوى التحصيل العلمي لديهم.

أما المحور التفاعلي الرابع ( الطالب ـ تقنيات الأنترنيت)، فالكل يعلم بان التقنيات المتعلقة بالأنترنيت تتطور بشكل مستمر وسريع ومنقطع النظير، وأن الشركات العالمية متسابقة في هذا المضمار وأن دخول الجامعات الأليكترونية لهذا المضمار وبكل ما يحمله من امكانيات هائلة في مجال التعليم، اصبح من الضروري لكل مشارك في هذا النوع من التعليم من أساتذة وطلاب ومصممين ان يلموا بقدر مناسب من هذه التقنية وكل حسب حاجته وان تفاعل الطالب مع هذه التقنية يعني وكما يرى كل من هيلمان، وليـــز و جواناواردينا ( Hillman, Willis & Gunawaradena, 1994) تمكن الطالب من أدارة تقنيات الأنترنيت والتحكم والتفنن بها بمهاره.
أن تفاعل الطالب مع هذه التقنيات يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً غلى مقدرته للتفاعل الأيجابي والمثمر مع المحاور الثلاث سابقة الذكر، حيث ان امتلاك ا لمهارة العلمية للتعامل مع هذه التقنيات سوف ينعكس ايجاباً على سهولة الأتصال والتفاعل مع كل من الأساتذة والطلاب والمادة العلمية.
أن عجلة التطور وبما تفرضه متطلبات الحياة المعاصرة يجب ان ينعكس أيجاباً على اساليب التعليم والتربية كي تماشي بالفعل تطورات العصر وبما فيه خير للأنسانية جمعاء، وأننا نلمس في حقيقة الأمر بأن هناك تصدي مجحف لهذا النوع من التعليم وخاصة في بلداننا العربية والتي تعادي في البدء كل تطور بحكم أبتعادها عنه وكما يقال ( الناس أعداء ماجهلوا)، في حين نلمس ان هذه التجارب في الدول المتطورة والتي قطعت شوطاً كبيراً في التقــدم العلمـــي والتكنولــــوجي تزداد بشكل مضطرد ، حيــث يذكــر باول
( Powell, 2000)، أنه مابين عامي ( 1997 ـ 1998) بلغت نسبة المؤسسات التعليمية الأمريكية التي تعتمد التعليم الأليكتروني ( 66%) وأن هذه النسبة في أزدياد مضطرد مع التقدم الزمني وان نسبة الطلبة المنتمين لهذه الجامعات سيبلغ ( 2,200,000) طالب وطالبة بحلول عام ( 2002) فمابالك ونحن على مشارف عام ( 2009).
وبناءاً على ماتقدم فأننا نرى من الضروري ان يولي المسؤلون عن التعليم العالي اهتماماً كبيراً ومخلصاً من تهيئة المناخات الطيبة لنمو ونشر هذا النوع من التعليم الأليكتروني والآخذ بمنافعه الجمة ومحاولة تصميم مواقع انترنيت تعليمية وتفاعلية في نفس الوقت من شانها أن تلبي احتياجات الطلبة في المستويات التعليمية المختلفة وفقاً لقدراتهم وإمكانياتهم وإختصاصاتهم، لإننا نعول كثيراً في هذا العالم المعاصر والغائر في السرعة لمواكبة ولو بخطى ثقيلة بادئ الأمرهذا التطور كي يكون لنا منطلقاً علمياً سليماً ننطلق منه لبناء الأنسانية وتعمير الأرض والحياة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الودع :ـ نوع من أنواع الأحجار الكريمة( أحجار الزينة) التي تستخرج من البحر.


الدكتور/ حسن المحمداوي
أستاذ جامعي وباحث سايكلوجي
Mezban56@yahoo.se