مشاركة السفير الدكتور علاء الجوادي في ذكرى رحيل الاستاذ كمال النعيمي
الأثنين 23 مايو / أيار 2016 13:30
د. علاء الجوادي
الاستاذ اللامع كمال النعيمي من اساتذة العراق المتميزين ومن المختصين في علم الكيمياء وقد تخرج على يديه المئات من الطلاب وبالذات طلاب الاعدادية المركزية في الستينات من القرن المنصرم وكان لي شرف التتلمذ على يديه. وذكرى الاستاذ كمال النعيمي وعدد من الاساتذة ما زالت في ذهني حية كأنها كانت بالامس القريب وهي التي مرت قبل حوالي نصف قرن. فما زلت اتذكر اساتذتي محيي الدين الحسيني استاذ الرياضيات ومدير الاعدادية المركزية واتذكر الاستاذ هاشم القزاز مدرس علم الحيوان واتذكر عبد اللطيف الجميلي مدرس الانكليزي والمرحوم الاستاذ عزت جان استاذ اللغه العربيه والاستاذ أحسان فرهاد مدرس الدين واللغة العربية ومعاون مدير المدرسة والاستاذ الفريد نصري مدرس الفيزياء وهو مصري الاصل كما درس الفيزياء الاستاذ مؤيد سعيد، والاستاذ محمد ابو المجد المصري مدرس اللغة العربية ودرس في الكيمياء مهدي الربيعي، وأيليا يعقوب واتذكر الاستاذ الرائع عبودي البزاز مدرس التاريخ والاستاذ عبد الوهاب السامرائي مدرس الجغرافية ودرس علم النبات الاستاذ عبد الرحمن كركجي.

واضافة لصاحب المناسبة الحزينة الاستاذ كمال شاكر النعيمي استاذ مادة الكيمياء.
الاستاذ كمال النعيمي في الستينيات كما عرفته

 في ذكرى رحيل الفقيد الاستاذ الحاج كمال شاكر النعيمي رحمه الله ترتسم ذكرى الاستاذ في ذاكرتي بعدة معالم ترسم شخصيته، واولها انه استاذ كفؤ متمرس بعمله ومتمكن من ايصال المادة لعقول ومدارك تلاميذه.

ومن ميزاته كذلك مقدرته في تحبيب مادة الكيمياء الصعبة المعقدة للتلاميذ فلا يشعر تلاميذه بالملل من هذه المادة العلمية الجامدة، وغالبا ما كان يطلق نكتة او كلمة لطيفة لجذب انتباه التلميذ للموضوع.

كانت محاضرات الاستاذ كمال النعيمي مجالا لان يتطرق الى اشارات اجتماعية او انسانية لا تأخذ كثيرا من الوقت لانه يحرص على ان تكون سريعة وكأنها عفوية، الا انها تأخذ حيزا مهما من الذهن.

كان من صنف المعلمين والمدرسين والاساتذة الذين يصفهم الطلاب انهم اقوياء الشخصية فعلى الرغم من روحه المرحة مع التلاميذ الا انه كان مهيبا بينهم ولا يستطيع طالب ان يتجاوز عن الحدود والاداب في صفوف طلب العلم في المقابل مر علينا بعض من الاساتذة كانوا مسخرة بين الطلاب لان بعض الطلاب ممن يعتبر نفسه لوتي حسب المصطلح البغدادي يحاولون ان يثيروا الضحك والاستهزاء بالمدرسين. ولم يتمكن ممن اشتهر بصفة المشاكسة والاستهزاء بالاساتذة من ان يمارسوا شيطنتهم في دروس الاستاذ كمال اذ سرعان ما يحولها النعيمي على صاحبها فيتحول مدعي الحذاقة والفهلوة الى مضحكة بين الطلاب، فلا يعود الى سوء ادبه مرة اخرى.

كان عندنا في الاعدادية المركزية مختبرات راقية قياسا لمدرسة اعدادية وفي تلك الفترة القديمة، وهي مختبر الكيمياء والفيزياء والحيوان، وكان المسؤول الفعلي عن مختبر الكيمياء رجل كبير السن اسمه استاذ ابراهيم او عمو ابراهيم ويكنى بأبي عدنان، وهو مستخدم كادح الا ان خبرته بالتجارب الكيمياوية والمواد وتفاعلاتها بمستواً رفيعٍ وعالٍ، وكان الاستاذ كمال النعيمي يحترمه كثيرا وعرفنا بعلمه وضرورة احترامه وتقديره عدة مرات.

رزق الاستاذ كمال النعيمي بست بنات وكان يرغب ان يرزقه الله ولدا وعرفنا انه نذر هو او نذرت زوجته لله ان جاءه الولد فانه سيسميه عليا وفعلا رزق بالولد ووفى الاستاذ كمال بالنذر بإسم المولود الجديد. وجاءنا ذاك اليوم فرحا مستبشرا وعندما تساءلنا عن سبب الفرحة غير المعتادة اجابنا انه رزق اليوم بولد واسماه عليا. ولعل من اهم اسباب تسمية الاب لابنه باسم علي هو اعجابه الكبير بشخصية علي بن ابي طالب التي كانت شخصية مثالية لعشاق العدالة الاجتماعية والعمل من اجل الكادحين والفقراء.

كنا نحن الطلاب لاسيما الحزبيين منهم نعرف ان الاستاذ كمال النعيمي ناشط يساري وانساني، وكنا نتداول كلاما مفاده ان الشرطة والامن حرمت علية الوصول لمدينة الثورة مدينة الفقراء الكادحين، وذلك خشية من تحركه على صفوف الفقراء!!! وعلى اي حال انا الان لا اعرف بدقة ومدى مصداقية هذه الروايات التي كنا نتحدث بها نحن الحزبيين من طلاب الصف الخامس الثانوي يومها.

ولكن على اي حال فقد كنا نعرف ان هذا الاستاذ تعرض للمعاناة على ايدي الشرطة السرية للانظمة المعادية لجماهير الشعب وانه فصل من الكلية لخروجه بتظاهرات ضد النظام الملكي يومذاك!!!

ويذكر الاستاذ احسان عاكف في مقالة بعنوان "طريقي الى الحزب الشيوعي" نشرت بتاريخ الإثنين 11 نيسان 2016 : و مما لا يمكن الا ان يعلق بالذاكرة وله علاقة باحداث المدينة المهمة من تلك الايام، ان النظام الملكي اختار مدينة عانه لابعاد الكثير من المناضلين والمعارضين السياسيين من مختلف الاحزاب والقوى السياسية، كما هو الحال مع مدينتي بدرة في محافظة واسط وعين تمر(شثاثة) في محافظة كربلاء. ومن هؤلاء الذين تتذكرهم مدينة عانه وووو واستاذ الكيمياء كمال النعيمي والمدرس كامل الدباغ وآخرين، وبعضهم كان قريبا من الحزب الشيوعي.

ومن ميزات الاستاذ كمال النعيمي انه مرح صاحب نكتة هادفة حدثنا يوما عن عامل كادح اسمه حسن جرك وخلاصة قصته انه كان سيء الطالع واين ما يذهب لا يوفق ويفشل في كل عمل يشترك به.

ومن ميزاته الاخرى هو قوة الذاكرة وقابلية الحفظ المتميزتين عنده.

كنت في صف الاستاذ كمال النعيمي طالبا جادا مجتهدا قليل الكلام وهادئ وكنت اجلس في الصف الاول في الصف حتى اتمكن من الاستفادة من الدرس وان اتمكن من رؤية الكتابة على السبورة وسماع الاستاذ، وبمقدار تذكري لتلك الايام كنت ارى الاحترام من قبل استاذي وكان يجيبني على اسألتي بما يرفع عني اللبس في فهم الدرس.

في عملي سفيرا في الدنمارك زارني العديد من الاخوة متفضلين، وكان احدهم الاخ الاستاذ الدكتور وليد الحيالي، وكان فيما بيننا لقاء مفيد... عرفت من الاخ وليد انه هناك عددا من الروابط التاريخية التي تجمعنا واولها اننا ابناء منطقة واحدة في بغداد وهي محلة قنبر علي وثانيهما اننا متقاربان بالعمر وهو اكبر مني بسنة او سنتين وثالثهما اننا كلانا كنا من طلاب المدرسة المهدية الابتدائية للبنين في محلة قنبر علي "عقد خضر بيك" ورابعها اننا كلانا كنا طلاب في الاعدادية المركزية. وعندها سألته عن بعض الاساتذة في مدرستي المهدية الابتدائية ومدرسة الاعدادية المركزية ووصلنا في التذاكر الى اسم استاذ الكيمياء في المركزية  كمال النعيمي فاكتشفنا رابطا اخر وهو اننا كلانا من تلاميذ هذا الاستاذ الجليل.

ولشد ما فاجأني به الاستاذ وليد اذ قال لي: انه يعيش في الدنمارك!

فقلت له: اذن وجب علي زيارته وفاءً لحق الاستاذ على تلاميذه.

ووعدني الدكتور وليد بتلبية ذلك لكنه سافر الى بغداد لمهام له وعاد الى كوبنهايكن ولنعرف بعد ذلك ان الاستاذ كمال قد انتقل الى رحمة الله، وعتبت على اخي وليد فذكر لي انه ذكر موضوع زيارته لي وما جرى فيها للاستاذ كمال، وساترك للاخ وليد ان يروي القصة فانها لا تخلو من عبرة وبها مكرمة اخرى للاستاذ كمال النعيمي اذ تنبأ عن قوة ذاكرته!! كتب لي:

اخي سعادة الدكتور علاء الموسوي المكرم

تحيه وتقدير لشخصك....ارفق لك خلاصه ما كتبت عن الفقيد الحاج كمال النعيمي رحمه الله وطيب ثراه، شكرا لك ولسمو خلقك ووفاءك في زمن انعدام الاخلاق... وليد الحيالي.

في صباح يوم الاربعاء الموافق السابع عشر من شهر شباط/ فبراير 2016 كان لي موعدا لزيارة سعادة سفير جمهورية العراق في الدنمارك الدكتور علاء الجوادي في مقر السفارة بالعاصمة كوبنهاغن، للترحيب به، والتعرف عليه، وللتداول بالشؤون الثقافيه والتعليميه في العراق، والتطور والتوسع الحاصل في هذا المجال، وحاجة البلد الى الخبرات الاكاديمية العراقيه في المهجر.

كما تم الحديث عن دور الاكاديمية العربية في الدنمارك في اتاحة الفرص امام العرب والناطقيين باللغة العربية في الدول الغربية وفي اوربا لاكمال دراساتهم الجامعية والدراسات العليا. وبهذه المناسبه اهدتك الاكاديميه مجموعه من ابحاث الدراسات العليا ومؤلفات اساتذتها التي عنيت بالشأن العراقي لاغناء مكتبة وزارة الخارجية العراقية وحسب طلب الاخيرة.

وكان القاء بالسعاده السفير شيقا وحميميا ووديا وفي سياق الحديث انتقلنا الى الجذور والاصول وكانت من محاسن الصدف ان سعادته تربى بنفس الحي الذي تربيت به في طفولتي (قنبر علي) ودرس في نفس المدرسه الابتدائية التي درست بها مدرسة المهدية الابتدائيه فتذكرت وتذكر امور مشتركه كثيره من ذلك الزمن الجميل وتحدثنا عن الدراسه الثانويه واذا به تعلم في الاعداديه المركزيه وهنا ذكرته باسماء بعض الاساتذه كما تذكرهم هو بكل فخر واعتزاز وجاء ذكر الاستاذ الفذ والمربي الجليل والمثقف الموسوعي والمناضل العتيد الاستاذ كمال شاكر النعيمي، فبتسمت وقلت له: ان الاستاذ كمال يعيش هنا بالدنمارك منذ بدايه التسعينيات فقفز فرحا وقال: لابد من زيارته وتقبيل راسه ويداه فادركت عمق اخلاق الدكتور علاء الجوادي وفعلا نقلت الخبر انذاك الى المرحوم كمال شاكر النعيمي وكان بوضع صحي سيئ وراقدا في احدى مستشفيات كوبنهاغن ورغم تقدم عمره (87) عام الانه بعد جهد من التفكير قال نعم اتذكره فهو كان تلميذي في الاعداديه المركزيه ويسكن قنبر علي وهم بيت السادة، وهو ذات الحي الذي نسكنه انذاك والذي كان يتردد عليه المرحوم الحاج  كمال النعيمي (ابا علي) كونه زوجا الى شقيقتي الكبرى منذ عام 1953 وكنت انذاك  حينما تزوج شقيقتي ابلغ من العمر خمس سنوات واتذكر تفاصيل من خطبته وزواجه والشخصيات التي رافقته للخطبه اتذكر منهم العلامه مصطفى جواد رحمه الله... نعم تذكر الفقيد ابو علي  الدكتور الجوادي وقال انه من بيت الساده حيث كانوا يلقبون بذلك انذاك في الحي. لكن للاسف لم نرتب زياره سعاده السفير لاستاذه لتدهور حالته الصحيه لحين وفاته في الثالث من الشهر الجاري مايس 2016، وبهذا فقدنا موسوعيا ومثقفا ومناضل قل نضيره  فقد فصل فصلا سياسيا من دار المعلمين العاليا عام 1949 بسبب نشاطه السياسي انذاك ولمده سنتين واعتقل في عام 1963 اثر الانفلاب الفاشي وسجن في معتقلات خاصه مع مجموعه من ابرز علماء العراق منهم عبد الجبار عبد الله وكامل الدباغ والطبيب رافد صبحي امين وغيرهم من المع علماء العراق لكنهم بقوا مومنين بحب العراق ورسالته... نعم توفى هذا الرجل الذي عرفته ابا واخا واستاذا ومناضلا موسوعيا يعمل بصمت وحماس يقراء بنهم ويخزن بذاكرته معلومات هائله وبمختلف المجالات وتميز بذاكره نادره الى اخر يوم في حياته... لم اراه يوما شاكيا متذمرا رغم الصعوبات التي مرت به... وداعا استاذنا الجليل فانت حي بقلوب من عرفك... وليد الحيالي

البروفيسور الدكتور وليد الحيالي والاخ علي النعيمي نجل الفقيد والاستاذ الخليلي عديل المرحوم يقيمون مجلس العزاء ويتلقون التعازي