عدد جديد ومعرفة علمية معاصرة ـ د. فاخر جاسم
صدر مؤخراً العدد 36 من المجلة العلمية للأكاديمية العربية في الدنمارك وهي دورية علمية محكمة نصف سنوية، تصدر عن الأكاديمية، وتقوم بنشر البحوث الأصيلة التي لم يسبق نشرها في أية مجلات أو دوريات علمية أخرى، وتشمل مجالات متعددة مثل الإدارة والاقتصاد والمحاسبة، التربية وعلم النفس، علم الاجتماع، الصحافة والإعلام، والقانون والسياسة، علوم البيئة، وعلوم اللغة والآداب. يشرف على تحريرها مجموعة من الأساتذة الأكفاء في مختلف الاختصاصات، ولها هيئة استشارية تضم أساتذة مرموقين بمجالات البحث والمعرفة العلمية من مختلف البلدان العربية وبلدان المهجر، وهي ومسجلة بالمكتبة الوطنية الملكية بالدنمارك كمجلة محكمة وحاصلة على عضوية معامل التأثير العربي. وتعتبر احد الأنشطة التي تقوم بها الأكاديمية الساعية لنشر المعرفة العلمية الهادفة لدمج البحث العلمي بمجالات العمل المختلفة.
ومنذ تأسيسها قبل حوالي عقدين ، تواصل المجلة دعم البحث العلمي ورفد المكتبات العربية بالبحوث العلمية الحديثة بمختلف مجالات المعرفة، كما إنها منصة لتطوير الفكر العلمي لدى الباحثين الشباب من خلال توفير الفرص لنشر دراساتهم وأبحاثهم والتعريف بها.
يشكل صدور العدد الجديد من مجلة الأكاديمية العربية في الدنمارك، امتداداً لنهج المجلة بنشر البحوث الأكاديمية الرصينة التي تثري المكتبات العربية بمعرفة علمية معاصرة، حيث تضمن العدد، مجموعة من الأبحاث والدراسات الحديثة، تشمل اختصاصات متعددة تضيف غناً فكريا وعلميا للمهتمين بتطوير الفكر العلمي، من أساتذة وباحثين وطلبة.
إن البحوث التي تضمنها العدد الجديد، تميزت بالالتزام بالصرامة العلمية التي تستند على معايير المناهج العلمية والأكاديمية المتعلقة بالبحوث، وجرى تحكيمها من أساتذة اكفاء من مختلف الاختصاصات العلمية، إن هذا النهج جعل المجلة، تمتلك رصانة عملية مرموقة بين المجلات الجامعية العربية، وساعد على توسيع دائرة الباحثين الراغبين في نشر أبحاثهم فيها.
إن ما يميز بحوث هذا العدد، إنها تناقش قضايا معاصرة لا تهم المختصين بالبحث العلمي فحسب، بل تعالج قضايا تمس حياة الناس اليومية، في كل مكان، وتثير قلقهم، ويدور حولها جدال ساخن، بين الباحثين والمفكرين والسياسيين، حول آثارها وسبل مواجهة مخاطرها، كمشاكل البيئة والأضرار الناتجة عن تلوثها، ومشكلة المياه والجفاف والتصحر، والإرهاب وكيفية معالجة مخاطره، إضافة إلى العلاقات الدولية، في عالم تسود فيه شريعة الأقوى، ومحاولات القوى العظمى فرض هيمنتها على الشعوب والدول النامية.
يتضمن العدد الجديد مجموعة من البحوث العلمية في موضوعات مختلفة مثل البيئة والمناخ وأزمة المياه، والاقتصاد السياسية، الدراسات الاجتماعية. ففي بحوث البيئة، احتوى العدد على بحثين الأولى، للأستاذ الدكتور كاظم المقدادي، بعنوان: التغيرات المناخية في العالم.. تداعيات جسيمة متفاقمة، مستعرضاً فيه، أزمة المُناخ العالمي التي تتفاقم على نحو متسارع، وتتسع وتشتد المشاكل البيئية وتداعياتها الخطيرة الناجمة عن التغيرات في مُناخ كوكب الأرض، مشيراً إلى أن التغيرات المناخية التي يشهدها العالم حالياً تعتبر واحدة من أخطر المشكلات البيئية الساخنة، ومن أبرز التحديات الرئيسية التي تواجه البشرية بتداعياتها الاقتصادية – الاجتماعية والصحية والنفسية والأمنية، المهددة لحاضر ومستقبل كوكبنا، ويشير البحث إلى أن الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى مسؤولة عن( 95%) من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي وتلوث المناخ، بينما مسؤولية الدولة النامية لا تتجاوز (5%) ولكنها الأكثر تضرراً وتتحمل عواقبها ومخاطرها. ويرى الباحث إن التقليل من مخاطر انبعاث الغازات، لا يمكن تحقيقه بدون تظافر جهود المجتمع الدولي، منتقدا موقف الدول الصناعية الكبرى التي تتنصل من المسؤولية. والبحث الثاني للأستاذ المساعد، أكبر عمر الجباري، المعنون: مشكلة سوء إدارة المياه في العراق وسبل معالجتها، يهدف البحث الى القاء الضوء على مشكلة سوء إدارة المياه في العراق والأبعاد الناتجة عنها، وتأثيراتها الصحية والزراعية والاجتماعية، وعلى مستقبل التنمية الاقتصادية المستدامة في العراق. وشخص البحث ثلاث أسباب رئيسة لمشكلة المياه الأول، مرتبط بالتغيرات المناخية العالمية والثاني، داخلي ناتج عن سوء التخطيط وإدارة الموارد المائية، والثالث، إقليمي مرتبط بوجود مصادر الموارد المائية خارج الحدود ألعراقية. في الختام، توصل البحث إلى استنتاجات رئيسية، الأول، مسؤولية الحكومة العراقية عن البحث بإيجاد مصادر مائية بديلة، باستثمار مياه الأمطار، والثلوج في المناطق الجبلية، من خلال إقامة سدود جديدة ذات سعة كافية لخزن المياه، إضافة العمل على رسم سياسة واضحة لغرض إدارة الموارد المائية وتطبيقها، تقوم على ترشيد استهلاك كمية المياه واللجوء إلى الطرق الحديثة في الري، والاستنتاج الثاني، مفاده ان مشكلة المياه في العراق لا يمكن أن تحل بدون تطبيق اتفاقيات المياه بين الدول المتشاطئة التي تُعد من أكثر مجالات القانون الدولي حساسية.
وفي العلوم السياسة، تضمن العدد بحثين، الأول، للأستاذ المساعد فاخر جاسم المعنون: العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس، متناولاً الجدل الدائر حول العولمة الرأسمالية، سواء ما يتعلق بمضمونها أو الآليات التي طبقت فيها، من خلال تقديم نقداً موضوعياً، قدر الإمكان، لهذا المفهوم، يستند إلى حجج ووقائع وليس على مواقف سياسية أو فكرية مسبقة، سواء تلك التي تستغل تعطش المواطن إلى الديمقراطية الحقيقة والتخلص من الاستبداد، فيجري الترويج للعولمة الرأسمالية، باعتبارها الضامن لتحقيق هذه التطلعات، أو تلك المواقف التي ترفض العولمة باعتبارها شر مطلق. لقد حاول الباحث، كشف التناقض بين مبادئ العولمة الرأسمالية المعاصرة وأهدافها المعلنة، والوقائع الفعلية الناتجة عن تطبيقها، خاصة على البلدان النامية، مستعرضاً فرضيات العولمة الرأسمالية المعاصرة ومدى صدقيتها، خاصة العلاقة بين العولمة وتحقيق الديمقراطية، وفرضية، حرية الأسواق والتجارة والانتقال الحر لرؤوس الأموال والأفراد والخدمات، والتكنولوجيا، بأنها ستؤدي إلى تقليل الفوارق بين الدول الغنية والفقيرة وهذا لم يتحقق في الواقع. والبحث الثاني، للباحث أكرم حسن المعنون: الإرهاب أحد ظواهر الاضطراب السياسي في العصر الحديث، متناولاً فيه، ظاهرة الإرهاب التي أودت بحياة كثير من الأبرياء، إضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة والقلق الذي تسببه لدى عامة الناس في مختلف انحاء العالم، وهو ما دفع الباحثين والمتخصصين والسياسيين، الى الاهتمام بهذه الظاهرة ودراستها، من اجل التوصل الى اتفاق، حول مفهوم هذه الظاهرة وأسباب ظهور التنظيمات الإرهابية ومحاولة إيجاد الطرق والسبل للحد من انتشارها مظاهرها الخطيرة، التي أصبحت خطرا جديا لا يمكن تجاهله او الاستهانة به. وفي الاقتصاد والعلاقات الدولية، تضمن العدد، بحثاً للباحث زاهر محد شحادة، بعنوان: العولمة الصينية الجديدة: دراسة أثر مبادرة الحزام والطريق على الدول العربية، تناول فيه الباحث، تأثير مبادرة الحزام والطريق على التعاون الاقتصادي والسياسي بين الصين والدول العربية، خلال الفترة 2013-2022، وأهدافها والآثار التي تركتها على توازن القوى الإقليمي، مستنتجاُ أن مبادرة الحزام والطريق ساهمت في تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الصين والدول العربية، والتعاون المشترك لحل الأزمات التي تواجه دول منطقة الشرق الأوسط.
وتضمن العدد بحثاً عن، أخلاقيات النشر على المنصات الرقمية ومدى تأثيرها على الجمهور: بين المسؤولية الاجتماعية وحرية التعبير، للباحث : نوزاد جعدان، يهدف البحث إلى تحليل أخلاقيات النشر على المنصات الرقمية، واستكشاف مدى تأثيرها على الجمهور، من خلال دراسة العلاقة الجدلية بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، انطلاقاً من فرضية أن الالتزام بالمعايير الأخلاقية في النشر الرقمي يسهم في تعزيز ثقة الجمهور، بينما يؤدي غيابها إلى تآكل المصداقية وانتشار المعلومات المضللة، مشيراً إلى أن التسارع المتنامي للتحول الرقمي، أدى إلى أن تكون المنصات الرقمية فضاءات مركزية للتعبير والتأثير، حيث يتفاعل الملايين يوميا مع محتوى متنوع يشمل الأخبار والمقالات والتعليقات الشخصية، ومع هذا التوسع الهائل في النشر الإلكتروني، تبرز الحاجة الملحة إلى تأطير الممارسات الإعلامية ضمن منظومة أخلاقية توازن بين حرية التعبير كحق أصيل، والمسؤولية الاجتماعية كواجب مهني وإنساني.

