صدور العدد 37 من المجلة العلمية للاكاديمية
العدد السابع والثلاثون من المجلة العلمية للأكاديمية العربية في الدنمارك: استمرار الرسالة وترسيخ الحضور الأكاديمي
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
يأتي صدور العدد السابع والثلاثين من المجلة العلمية للأكاديمية العربية في الدنمارك، لشهر تموز/يوليو 2026، بوصفه محطة جديدة في مسيرة علمية رصينة، تؤكد أن العمل الأكاديمي الجاد لا تُقاس قيمته بعدد الإصدارات فحسب، بل بقدرته على الاستمرار، والتطور، والمحافظة على المعايير العلمية، وفتح الأبواب أمام الباحثين العرب في مختلف ميادين المعرفة.
لقد استطاعت المجلة، منذ انطلاقتها، أن ترسخ هويتها باعتبارها دورية علمية محكمة نصف سنوية تصدر عن الأكاديمية العربية في الدنمارك، وأن تحافظ على موقعها كمنبر أكاديمي عربي في الفضاء الأوروبي، يجمع بين الالتزام بالمنهج العلمي، والانفتاح على القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية والفكرية المعاصرة. ويؤكد هذا العدد أن المجلة لا تسعى إلى النشر بوصفه إجراءً شكلياً، بل تنظر إليه بوصفه مسؤولية معرفية وأخلاقية، تقوم على التحكيم العلمي، وضوابط النشر، واحترام أصول البحث الأكاديمي.
ومن اللافت في هذا العدد تنوع موضوعاته وتعدد اختصاصاته، إذ ضم بحوثاً في القانون والسياسة، والفلسفة، والأدب، والمحاسبة، وهو تنوع يعكس رؤية المجلة للبحث العلمي باعتباره فضاءً مفتوحاً للتكامل بين العلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد تناول العدد قضايا ذات صلة مباشرة بالواقع العربي والدولي، مثل مشكلة تطور الأقليات في الشرق الأوسط وتأثيراتها على الأمن القومي والعربي، ومراحل تطور استراتيجية الهيمنة الأمريكية المعاصرة، والإرهاب الدولي أسبابه وآثاره والحلول، فضلاً عن بحوث تتناول العلاقة بين فلسفة الجمال والذكاء الاصطناعي، والأدب النسوي ودوره في نشر الثقافة، وأثر استقلالية المدقق الخارجي على جودة التقارير المالية.
إن أهمية هذا العدد لا تكمن في عناوين بحوثه فقط، بل في طبيعة القضايا التي يطرحها. فالعالم العربي يعيش مرحلة معقدة من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البحث العلمي الجاد. فموضوع الأقليات، على سبيل المثال، لم يعد مسألة هامشية أو محلية، بل أصبح مدخلاً لفهم طبيعة الدولة، ومفهوم المواطنة، وحدود الأمن القومي، وعلاقة التنوع بالاستقرار. كما أن دراسة الهيمنة الأمريكية المعاصرة تفتح باباً لتحليل بنية النظام الدولي وأدوات السيطرة والتأثير. أما موضوع الإرهاب الدولي، فهو من أكثر الموضوعات إلحاحاً في عالم ما زال يعاني من العنف والتطرف والتوظيف السياسي للدين والأيديولوجيا.
وفي المقابل، يمنح العدد مساحة مهمة للفلسفة والأدب والمحاسبة، وكأن المجلة تريد أن تقول إن المعرفة لا تكتمل إذا انحصرت في السياسة وحدها. فالذكاء الاصطناعي، حين يُدرس من زاوية فلسفة الجمال، يصبح موضوعاً إنسانياً وثقافياً لا مجرد تقنية. والأدب النسوي، حين يُقرأ في سياقه الثقافي، يكشف دور المرأة في إنتاج الوعي ومساءلة البنى الاجتماعية. أما استقلالية المدقق الخارجي، فهي قضية محاسبية واقتصادية وأخلاقية في آن واحد، ترتبط بالشفافية وجودة التقارير المالية وحماية المال العام والخاص.
إن صدور هذا العدد يؤكد أن المجلة العلمية للأكاديمية العربية في الدنمارك ماضية في أداء رسالتها، رغم الصعوبات التي تواجه المؤسسات الأكاديمية العربية في المهجر. فالاستمرار هنا ليس عملاً إدارياً بسيطاً، بل هو فعل ثقافي مقاوم للغياب والتهميش، وإصرار على أن تبقى اللغة العربية لغة علم وبحث وحوار، لا مجرد لغة تراث وذاكرة.
كما أن وجود هيئة تحرير، وهيئة استشارية، وضوابط نشر واضحة، وقائمة بحوث مقبولة وفق تواريخ تقديم وقبول، يمنح المجلة طابعاً مؤسسياً مهماً، ويؤكد حرصها على ضبط العملية العلمية وفق معايير أكاديمية معلنة. وهذا أمر بالغ الأهمية في زمن اختلط فيه النشر العلمي الجاد بالنشر العابر، وتراجعت فيه أحياناً قيم التحكيم والرصانة أمام السرعة والمجاملات.
إن العدد السابع والثلاثين ليس رقماً عادياً في تاريخ المجلة، بل هو شاهد على تراكم معرفي ومؤسسي امتد لسنوات، وأسهم في تقديم منصة للباحثين العرب داخل الوطن العربي وخارجه. ومن هنا فإن هذا العدد يمثل إضافة جديدة إلى رصيد الأكاديمية العربية في الدنمارك، ويعكس قدرتها على أن تكون جسراً بين الباحث العربي وفضاءات المعرفة العالمية.
استنتاج.
إن صدور العدد 37 من المجلة العلمية للأكاديمية العربية في الدنمارك هو تأكيد جديد على حيوية المشروع الأكاديمي العربي في المهجر، وعلى قدرة المؤسسات العلمية الجادة على الاستمرار حين تمتلك الرؤية والإرادة والتنظيم. فهذا العدد، بما احتواه من بحوث متنوعة ومحكمة، يرسخ مكانة المجلة كمنبر للبحث العلمي الرصين، ويؤكد أن المعرفة تظل الطريق الأعمق لفهم الواقع، ونقده، وتقديم البدائل العلمية والإنسانية لمشكلاته.

